العلوم العقليَّة هي العلوم الفلسفيَّة العقليَّة أو علوم الأوائل التي نُقِلتْ إلى اللغة العربيَّة من اللغات الأخرى؛ مثل: الطب والعلوم الطبيعيَّة والرياضيات [1] ، ومن الطبيعي أنْ تختلف العلوم العقليَّة عن العلوم النقليَّة في المنهج؛ حيث اعتمد أصحابُ العلوم العقليَّة على معقوليَّة الحقائق وامتحانها مُتَّخذين إمَّا سبيل المنطق وإمَّا التجريب العلمي، فهم يُجرِّبون أولًا ثم يحكُمون بالصواب أو الخطأ [2] ، وقد تحدَّث ابن خلدون في مقدمته عن العلوم العقليَّة قائلًا:"إنَّ العلوم العقليَّة هي العلوم التي يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره، ويهتدي بمداركه البشريَّة إلى موضوعاتها ومسائلها، وأنحاء براهينها، ووُجوه تعليمها، حتى يُفقِّه نظره، ويحثُّه على الصواب من الخطأ فيها" [3] ، وكانت العلوم العقليَّة محدودةً إذا ما قُورِنت بالعلوم النقليَّة، وخاصَّة في بداية الحياة الفكريَّة والعقليَّة" [4] ."
فإلى جانب الحركة الدينيَّة المتمثِّلة في عُلوم القرآن الكريم والحديث الشريف، والحركة الأدبيَّة المتمثِّلة في الشِّعر والنثر وعلوم اللغة العربيَّة، كانت هناك حركة عقليَّة تتمثَّل في العلوم الفلسفيَّة العقليَّة التي تشمَل الطب والنجوم والهندسة المعمارية والإلهيَّات وغيرها من العلوم العقليَّة [5] ،"وهي بقيَّةٌ من بَقايا مدرسة الإسكندريَّة، وكانت لا تزال باقيةً في مصر، يتعلَّمون لغتها، ويبحَثون فيما أتَتْ به من دين، فاتَّجهت أكثر الثقافات إلى الاشتغال بالدِّين الإسلامي وعلومه واللغة العربيَّة وعُلومها" [6] .
ويُمثِّل عصرُ الدولة العباسيَّة أعظمَ الفترات التي وصَلتْ فيها العلوم العقليَّة إلى قمَّة تطوُّرها؛ فقد استقرَّت حركة الفتوح الإسلاميَّة الكبرى في عهد هذه الدولة، وقد أخَذتْ هذه الدولة تنهَل من مناهل الثقافة الأجنبيَّة، وكذلك فقد ساعَد دخول الموالي في أحضان الدولة العباسيَّة في أنْ يكون هذا العصر هو العصر الذهبي في تاريخ حركة
(1) د. صفي على محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 109.
(2) المصدر السابق، ص 124.
(3) ابن خلدون، المقدمة، الفصل الرابع، ص 435.
(4) د. صفي علي محمد، مصدر سابق، ص 110.
(5) أ. أحمد أمين، ظهر الإسلام، ج 1، ص 173.
(6) المصدر السابق، ص 173، 174.