كان تفسير القرآن الكريم فرعًا من فُروع العلوم الدينيَّة الإسلاميَّة التي اهتمَّ بها علماء المدرسة الدينيَّة، وكان لهم فيها باعٌ طويل [1] ، ونستطيع أنْ نُعرِّف التفسير بأنَّه:"فهم كتاب الله المنزَّل على نبيِّه محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكَمِه ..." [2] .
ولأنَّ آيات القُرآن الكريم هي المنبع الأوَّل للأحكام الشرعيَّة فقد كانت الخطوة الأولى في التفسير هي فهْم تلك الآيات فهمًا جيِّدًا، فقد نزَل القُرآن الكريم بلغه العرب، وعلى أساليبهم [3] ، ويدلُّ على هذا المعنى قوله - تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 2] ، وقوله - تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192 - 195] .
وكان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يتلقَّى تنزيل القرآن الكريم من الوحي، ويتولَّى هو بنفسه توضيحَه لأصحابه، وفي ذلك يقول ابن خلدون:"كان ينزل جملًا جملًا، وآيات آيات؛ لبَيان التوحيد والفروض الدينيَّة بحسب الوقائع، ومنها ما هو في العقائد الإيمانيَّة، ومنها ما هو في أحكام الجوارح، ومنها ما يتقدَّم، وما يتأخَّر ويكون ناسخًا له، وكان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُبيِّن المجمل، ويُبيِّن الناسخ من المنسوخ، ويُعرِّفه أصحابه، فعرفوه وعرفوا سبب نزول الآيات، ومقتضى الحال منها منقولًا عنه" [4] .
وظلَّ الصحابة مُحتَفِظين بما عرفوه وعلموه من الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - وكذلك التابعون، فقد رُوِيَ عن الصحابة هذه المعارف ونُقِل عن هؤلاء السَّلَفِ
(1) د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 164.
(2) الزركشي (الإمام بدر الدين محمد بن عبدالله الزركشي) ، البرهان في علوم القرآن، ج 1، ص 13، تحقيق: أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، ط 1، (1376 هـ - 1957 م) .
(3) د. صفي علي محمد، مصدر سابق، ص 164.
(4) ابن خلدون، المقدمة، الفصل الخامس، ص 438، 439، ضبط المتن ووضع الحواشي والفهارس الأستاذ/ خليل شحاتة، دار الفكر، بيروت، (1421 هـ - 2001 م) .