وقد رأى المصريون في التاريخ جانبًا مهمًّا من جوانب الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة؛ ولذلك فقد عُنُوا به عنايةً بالغة، كما عُنُوا بالقراءات والتفسير والحديث واللغة والنحو وغير ذلك من العلوم، وقد نشَأت بمصر مدرسةٌ تاريخيَّة تَبوَّأَتْ مكانةً بارزة في تاريخ الحركة الفكريَّة؛ لأنَّها ارتبطت بالفتح الإسلامي، الذي يعدُّ نقطة تحوُّل خطيرة في تاريخ البلاد كلها [1] ، وقد اهتمَّت هذه المدرسة بسِيرة الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - ومغازيه، التي كانت تقومُ وتعتمد على الرواية الشفهية، ثم ظهرت بعد ذلك كالمؤلَّفات في تاريخ مصر القومي [2] .
لقد انتَقلتْ من العراق إلى مصر في القرن الثالث الهجري صورةٌ من خلافات المتكلِّمين، وذلك منذُ بعَث المأمون إلى ولاة الأمصار بمنشوره، الذي أمر فيه بأخْذ العلماء والقضاة بخلق القرآن، وقد ورَد كتاب المأمون علي كيدر والي مصر سنة 218 هـ، فامتحن قاضيها وفُقَهاءها، وقالوا بخلق القرآن" [3] ."
وكان أمر المحنة سهلًا في ولاية المعتصِم، فلمَّا مات وقام الواثق سنة 227، ورد كتابه على محمد بن أبي الليث القاضي بمصر، فأمَر بامتحان الناس أجمع فلم يبقَ أحد من فقيه ولا محدِّث ولا مؤذِّن ولا معلِّم حتى أُخِذَ بالمحنة، فأجابَه كثير من الناس، ومُلِئت السُّجون بِمَن أنكَرُوا المِحنة، وأمَر ابن أبي الليث بالاكتتاب على المساجد بفسطاط مصر (لا إلا إله إلا الله رب القرآن المخلوق) [4] .
وكان ذو النون المصري من الذين عُذِّبوا، واقرُّوا بالمحنة، فقد هرب ثم رجع وأقرَّ بالمحنة [5] .
(1) د. فتحية النبراوي، علم التاريخ دراسة في مناهج البحث، ص 163، دار الآفاق العربية بالقاهرة، (1416 هـ - 1996 م) ، انظر: د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 483.
(2) د. فتحية النبراوي، علم التاريخ، ص 164، 167، انظر: د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 497.
(3) د. سيدة إسماعيل كاشف، مصر في عصر الإخشيديين، ص 309.
(4) د. سيدة إسماعيل كاشف، مصر في يعصر الإخشيديين، ص 309، انظر: د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 624.
(5) د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 625.