وعندما صار التاريخ عِلمًا كسائر العلوم المدونة كالفقه والنحو والبيان وغير ذلك ثبت الاحتياج إليه، كما ثبت الاحتِياج إلى ما عَداه من العلوم، وأنَّه واجبٌ تعلُّمه على سبيل الكفاية وجوب سائر العلوم بضبط زمن المبدأ والميعاد، وبارتباطه الشديد بالدراسات الدينيَّة" [1] ."
"وقد اكتسبت كلمة تاريخ هذا المعنى باستعمالها للدلالة على كتبٍ تحتوي على أزمنةٍ، فالكتب التاريخيَّة التي ليس فيها أزمنةٌ لم تكن في الأصل تسمَّى كتب تاريخ، ومجموعات التراجم تدخُل في عداد كتب التاريخ؛ لأنَّها تذكر تواريخ الوفاة والولادة لبعض الشخصيَّات التي ترجمت لها" [2] .
ولقد ارتبطَتِ الكتابة التاريخيَّة منذ بدايتها في صَدر الإسلام بالعلوم الدينيَّة ارتباطًا وثيقًا، فكان المؤرِّخون الأوَّلون يكتبون في السيرة النبويَّة وفي المغازي وفي نسب قريش، وفي الطبقات وفي التراجم لرجال العلم والفقه والحديث، ولا شكَّ فيه أنَّ القرآن قد أكَّد على أمثلة الشعوب الماضية البائدة؛ لما فيها من عِبَرٍ دينيَّة ومواعظ خلقيَّة [3] .
ولقد جمَع كثيرٌ من أئمَّة المسلمين والمؤرِّخين الأوائل بين الفقه والتاريخ؛ فكان الطبري العظيم وابن كثير يجمعان بين التفسير والتاريخ، وكذلك كان الحافظ الذهبي مُؤرِّخًا وفقيهًا وحافظًا في آنٍ واحد [4] .
والتاريخ كلُّه حوادث فيها من العِبرة الموعظة والدروس والتجربة ما يُفِيد المطَّلِع عليها والقارئ فيها [5] ، وقد أشادَ البهاء محمد ابن القاضي في قصيدةٍ له بفضل التاريخ وبيان منزلته في القرآن الكريم، حيث جاء في قصيدته:
وَبَعْدُ فَالتَّارِيخُ وَالأَخْبَارُ = عِلْمٌ لَهُ فِي المِلَّةِ اعْتِبَارُ
وَقَدْ كَفَى فِيهِ مِنَ البُرْهَانِ = مَا جَاءَنَا مِنْ قَصَصِ القُرْآنِ [6]
(1) د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 481.
(2) د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 482.
(3) د. السيد عبدالعزيز سالم، التاريخ والمؤرخون العرب، ص 26.
(4) المصدر السابق، ص 26، 27.
(5) المصدر السابق، ص 28، 29.
(6) د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 482، 483.