بمدينة الفسطاط في عصر الدولة الإخْشيديَّة سوقٌ عظيمة للورَّاقين [1] ، وكان سيبويه المصري - أعظم أدباء هذه الدولة - يظهر الكلام والاعتزال في الطرقات والأسواق [2] .
ويقول ابن زولاق:"حدثني مَن حضَرَه يوم الجمعة في سُوق الورَّاقين في جمعٍ كبير من الحاضرين ... فكان سيبويه يصيح ويقول: الدار دار كفر، حسبكم أنَّه ما بقي في هذه البلدة العظيمة أحدٌ يقول: القرآن مخلوق [3] إلاَّ أنا وهذا الشيخ أبو عمران - أبقاه الله - فقام أبو عمران يعدو حافيًا خوفًا على نفسه حتى لحقه رجل بنعله" [4] .
وكانت سوق الورَّاقين أيضًا بمثابة مكتبةٍ عامَّة يُتاح فيها للمهتمِّين بالقِراءة والاطِّلاع شراء ما يحتاجونه من الكتب المفيدة لهم، وكانت تُقام في هذه السُّوق مَزادات يُنادَى فيها عن الكتب الجيِّدة النادرة [5] .
وقد ذاعَتْ شهرة أسواق الورَّاقين في القرنين: الثالث والرابع الهجريَّين اللذَيْن شَهِدَا تحوُّلًا عظيمًا في صِناعة الورق، حيث تحرَّرت مادَّة الكتابة من احتكار بلدٍ من البلاد له واستِئثارها به، وصار رخيصًا جدًّا، وكان الناس طوال استِعمالهم للبردي يعتَمِدُون على مصر [6] .
وقد أصبحت صناعةُ تجهيز ورق البردي شبهَ معدومة بالإجمال في منتصف القرن العاشر الميلادي (الرابع الهجري) تقريبًا، وذلك أنَّ الورق المؤرخ ينتهي سنة (323 هـ -
(1) د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط، ص 73.
(2) الحسن بن زولاق، أخبار سيبويه، المصري، ص 18.
(3) القول بخلق القرآن بدعةٌ نبتَتْ في العصر الأموي، ثم لم تجد الجوَّ الذي تنمو فيه وترعرع حتى كان عصر المأمون، فوجدت في شخصيَّته العالمة الاعتزاليَّة، ومن نفوذه العظيم ونفوذ علمائه المتشددين والمتعصبين للمذهب المعتزلي - خيرَ متعهدٍ لنمائها، حريص على نصرتها، شديد البطش على مخالفيها، انظر: د. أحمد فريد الرفاعي، عصر المأمون، ج 1، ص 310، 313، الهيئة المصرية العامة للكتاب، (2007 م) .
(4) الحسن بن زولاق، أخبار سيبويه المصري، ص 18، 19.
(5) د. هالة شاكر عبدالرحمن، الورق والوراقون في العصر العباسي، ص 205.
(6) متز، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ج 2، ص 359، ترجمة محمد عبدالهادي أبو ريدة، القاهرة، (1377 هـ - 1957 م) ، انظر: د. صفي علي محمد، الحركة العلمية والأدبية في الفسطاط ص 73.