فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 144

وبذلك يكون ظهور هذا الاتجاه نحو الاستقلال ظاهرة عامَّة، ولم يكن فريدًا في مصر، وإنما كان ظاهرة عامَّة نتجت عنه دُوَلٌ عديدة في العصر العباسي الثاني، حتى أطلق الباحثون على ذلك العصر"عصر الدولة الإقليمية" [1] .

وقد اعتاد الناس أنْ يقيسوا رُقِيَّ الدولة الإسلاميَّة بوحدتها وتفرُّقها، فتكون قويَّة في حالةٍ الوحدة، وتكون ضعيفةً في حالة الانقِسام، فقد ربَطُوا رُقِيَّ الدولة وازدهارها بحال الخليفة، فإنْ كان الخليفة قويًّا مُسَيطِرًا على الأقطار كلها فالدولة قويَّة ومزدهرة، والعكس صحيح [2] .

ويرى الأستاذ أحمد أمين:"أنَّ هذا المقياس غير صحيح، فقد يَضعُف الخليفة، وتصلُح الأقطار وتزدهر، وهذا ما حدث فعلًا؛ فكثيرٌ من الأقطار الإسلاميَّة كانت بعد الاستقلال عن الخلافة أفضل بكثيرٍ منها قبله؛ فعلى سبيل المثال كانت مصر تحت حُكم الطولونيين والإخْشيديين أفضل بكثيرٍ جدًّا من حكم مَن سبقهم من الولاة الذين عيَّنَتْهم الخلافة [3] ."

نقول: هذا الانقسام كان سببًا في انتفاع كلِّ قطر بماله؛ يصرفه في مصالحه، ويُنفِقه في مصادر تُساعِد على ازدهار هذا القطر، ورفع شأنه بين الأقطار الأخرى.

ونعترف بأنَّه لا يوجد أدنى شكٍّ في أنَّ هذا الانقسام كان سببًا أساسًا في ضعف المقاومة أمام الخطر الخارجي المتمثِّل في الروم مثلًا، وأصبح المتحمِّل للعبء كله دُوَيْلَةٌ مستقلة - كدولة الحمدانيين مثلًا في مقاومتها للخطر البيزنطي - بعدما كانت تتحمَّله الدول الإسلاميَّة كلها، وزاد على هذا أنَّ الدول المستقلَّة لم تعمل على التفاهُم فيما بينها، فقد كانت علاقة كلِّ دولة مسلمة بجاراتها المسلمة علاقة نزاع وعداء في أغلب الأحيان، فلم يتمكَّنوا من التفاهُم على مصالحهم الداخليَّة علاوةً عن الخارجيَّة؛ ولذلك ضعفوا أمام عدوِّهم الخارجي [4] .

(1) د. أحمد كامل، مصر الإسلامية، ص 69، 70.

(2) أ. أحمد أمين، ظهر الإسلام، ج 1، ص 92.

(3) المصدر السابق، ج 1، ص 93.

(4) المصدر السابق، ج 1، ص 93.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت