ولكنَّنا نقول: إذا كان هذا العصر قد شَهِدَ تدهورًا سياسيًّا - مُتمثِّلًا في الاستقلال عن دار الخلافة، والضعف أمام العدو الخارجي - فقد شهد هذا العصر نفسه تقدُّمًا كبيرًا جدًّا، وازدِهارًا في الحركة الفكريَّة المتمثِّلة في العِلم بفُروعه المختلفة، والأدب؛ شعره ونثره [1] .
فلم يُؤثِّر ضعفُ الخلفاء في حاضِرة الخلافة واستِقلال الدول عنه على حركة العلم والأدب والثقافة بالسلب، بل على العكس؛ فقد أثَّر كلُّ هذا على تلك الحركة بالإيجاب، فقد كان هذا الانقِسام نقمةً من الناحية السياسيَّة، وفي نفس الوقت كان نعمةً من الناحية الفكريَّة، فقد كان سببًا من أسباب ازدهار العلوم المختلفة [2] .
ففي العصر العباسي الأول كان وضع السُّلطة كلها في يد الخليفة قد جعَل حاضرة الخلافة بغداد"هي المركز العلمي والأدبي الوحيد والمنفرد على الساحة، وجعل غيره غيرَ مرغوب فيه من أهل العلم والدِّين، فكان ليس أمام مَن تقدَّم ونبَغ في علمٍ من العلوم أو فن من الفنون طريقًا إلى الشهرة والزيادة في النُّبوغ وجمع الثروة والمال غير الرحيل والسفر إلى بغداد، حيث وجودُ الشهرة، وذيوع الصيت، والتقرُّب بالعلم والأدب إلى الخلفاء والأمراء، ونيل عَطاياهم ومِنَحهم [3] ."
ولا شكَّ في أنَّ كلَّ هذا قد تغيَّر عندما استقلَّت الأقطارُ عن مركز الخلافة؛ فقد أصبحت عاصمة كلِّ قطر مركزًا مهمًّا من مراكز الحركة العلميَّة والأدبيَّة، فأمراء كلِّ قطر يعطون مثلما يعطي خُلَفاء بغداد، ويُقدِّرون العلماء والفُقَهاء والأدباء مثلما تُقدِّرهم دار الخلافة [4] ، ويهتمُّون بتحلية بلاطهم بالعلماء والأدباء، ومن ذلك أنَّ
(1) أ. أحمد أمين، ج 1، ص 92، انظر: د. حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 3، ص 376، د. أحمد محمد الحوفي، الطبري، ص 8.
(2) أحمد أمين، ظهر الإسلام، ج 1، ص 94، انظر: د. أحمد محمد الحوفي، الطبري، ص 8.
(3) أ. أحمد أمين، ظهر الإسلام، ج 1، ص 94.
(4) ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، ج 4، ص 6، انظر: د. سيدة إسماعيل كاشف، مصر في عصر الإخشيديين، ص 138، د. محمد أحمد أنيس بالاشتراك مع د. حسن أحمد محمود، د. السيد رجب حراز، دراسات في تاريخ مصر في العصور الوسطى والحديثة، ص 50، دار النهضة العربية بالقاهرة، الطبعة الأولى، (1973 م) .