فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 144

كافورًا الإخْشيدي كان حريصًا على جَذْبِ العلماء والأدباء إلى بلاطه، وحريصًا على أنْ يَفُوقَ في هذا الميدان بلاط الخليفة وبلاط سيف الدولة الحمداني [1] .

وقد اشتَعلت المنافسة في ظِلِّ هذا الانقِسام، وأصبح أُمَراء كلِّ قطر يُفاخِرون أمراء القطر الآخَر بالثروة العلميَّة والأدبيَّة والدينيَّة مثلما يُفاخِروهم بكثْرة الجند، وزيادة العمران والجند [2] .

فبعدما كان للحياة الفكريَّة مركزٌ واحد مهم، أصبحت لها مراكز مهمَّة مُتعدِّدة، وأصبح علماء مصر - على سبيل المثال - يُضاهون علماء بغداد، وبسبب ذلك وجدنا الأمراء الأتراك الذين لا يحسنون العربيَّة يتطلَّعون لتزيين قُصورهم بالعلماء والأدباء، وغيرهم من أهل العلم [3] ، وبعد ما كان مؤرخ العلم والأدب قبل الاستقلال يجدُ نفسه أمام مادَّة علميَّة وأدبيَّة كثيرة في العراق، ثم لا يجدُ إلا قليلًا منها في تاريخ غيره، أصبح لكلِّ قطرٍ شخصيَّته المنفردة في العلم والأدب، وأصبح يجمَع تحت لوائه وفوق بلاطه عددًا كبيرًا من الشعراء والعلماء وغيرهم [4] .

وقد جعَل هذا الانقسام العواصم الخاملة تشتعلُ وتنافس بغداد، بل وتتفوَّق عليها، فقد اضمحلَّت دولة الأدب في بغداد في مستهلِّ القرن الرابع الهجري [5] ، و"كانت مصر تتحفَّز لحمْل لواء الزعامة الأدبيَّة الإسلاميَّة في المشرق، وكانت الفسطاط حينئذٍ تضمُّ بين جوانبها فئةً غير قليلةٍ من رجال العلم البارزين وأقطاب الأدب المفكِّرين والفُقَهاء من أمثال أبي بكر بن الحداد قاضي مصر، وتلميذه الحسن بن زولاق مُؤرِّخ مصر، وسيبويه المصري، وابن عمر الكندي، فكان اجتماع هؤلاء بعضهم ببعض سببًا من أسباب تقدُّم الحركة الفكريَّة، ونمو الاجتماعات الأدبيَّة" [6] .

(1) أحمد أمين، ظهر الإسلام، ج 1، ص 95، انظر: د. أحمد محمد الحوفي، الطبري، ص 9.

(2) أ. أحمد أمين، ظهر الإسلام، ج 1، ص 95، 96.

(3) أحمد أمين، ظهر الإسلام، ج 1، ص 95.

(4) المصدر السابق، ج 1، ص 95.

(5) الحسن بن زولاق، أخبار سيبويه المصري، ص 6، قام بنقله، ونشره وكتابة تراجمه: محمد إبراهيم سعد، وحسين الدين، مكتبة الآداب بالقاهرة، ط 1، (1352 هـ - 1933 م) .

(6) المصدر السابق، ص 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت