فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 144

وأمَّا ما وصفته من ارتفاع محلِّك عن مرتبة من هو دون الخليفة في المكاتبة لما يقتضيه عظم ملككم، وأنَّه الملك القديم الموهوب من الله الباقي على الدهر، وأنَّك إنما خصصتنا بالمكاتبة لما تحققه من حالنا عندك، فإنَّ ذلك لو كان حقًّا وكانت منزلتنا كما ذكر به تقصر عن منزلة مَن تُكاتِبه، وكان لك في ترك مكاتبنا غنمٌ ورشدٌ، لكان من الأمر البيِّن أن أحظى وأشد وأولى بِمَن حلَّ محلك أنْ يعمل بما فيه صلاح رعيَّته، ولا يرى وصمة ولا نقيصة ولا عيبًا، ولا يقع في مُعاناة صغيرة من الأمور تَعقُبها كبيرة، فإنَّ السائس الفاضل قد يَركَبُ الأخطار ويَخُوض الغمار، ويعرض مهجته فيما ينفَع رعيَّته والذي تجشَّمته من مُكاتبتنا، إنْ كان كما وصفته، فهو أمرٌ سهل يسيرٌ لأمر عظيم خطير، وجلُّ نفعه وصلاحه وعائدته تخصُّكم؛ لأنَّ مذهبنا انتظار إحدى الحسنيين، فمَن كان منَّا في أيديكم فهو على بيِّنةٍ من ربه، وعزيمة صادقة من أمره، وبصيرة فيما هو بسبيله، وأنَّ في الأسارى مَن يؤثر من ضنك الأسر وشدَّة البأساء على نعيم الدنيا وخيرها لِحُسن مُنقَلبه وحميد عاقبته، وبعلم الله - تعالى - قد أعاذه من أنْ يفتنه، ولم يعده من أنْ يبتليه، هذا إلى أوامر الإنجيل الذي هو أمامكم وما تُوجِبه عليكم عزائم سياستكم والتوصُّل إلى استنفاذ أُسَرائكم، ولولا أنَّ إيضاح القول في الصواب أولى بنا من المسامحة في الجواب، لأَضْربنا عن ذلك صفحًا؛ إذ رأينا أنَّ نفس السبب الذي من أجله سما إلى مكاتبة الخلفاء - عليهم السلام - من كاتبهم، أو عدا عنهم إلى مَن حلَّ محلَّنا في دولتهم، بل إلى مَن نزَل عن مرتبتنا هو أنَّه لم يثقْ من منعه، ورد ملتمسه ممَّن جاوَرَه، فرأى أنْ يقصد به الخلفاء الذين الشرف كله في إجابتهم، ولا عار على أحدٍ وإنْ جلَّ قدره في ردِّهم، ومَن وثق فبنفسه ممَّن جاوَرَه وجد قصده أسهل السبيلين عليه وأدناهما إلى إرادته حسبما تقدَّم لها مَن تقدم.

وكذلك كاتب من حل محلك من قصر عن محلنا، ولم يقرب من منزلنا، فمالكنا عدة كان يتقلَّد في سالف الدهر كلَّ مملكة منها ملك عظيم الشأن، فمنها مُلك مصر الذي أطغا فرعون على خطر أمره حتى ادَّعى الإلهيَّة وافتخر على نبي الله موسى بذلك، ومنها [ملك ... للذي ... ] الإسكندر ومَن خلفه من اليونانيين.

ومنها ممالك اليمن التي كانت للتابعيَّة، والأقيال الباهلة ملوك حمير على عظم شأنها وكثْرة عددهم، ومنها أجداد الشام التي فيها جند حمص وكانت دارهم ودار هرقل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت