والنوع الأخير هو الاعتماد، وفيه يخرج في آخر كلامه إلى معنى لم يبن القول عليه، ومثاله قول جرير:
مَتَى كَانَ الخِيِامُ بِذِي طُلُوحٍ ... سُقِيتِ الغَيْثَ أَيَّتُها الخِيَامُ
هذه هي الأساليب التي تناولها ابن البناء تحت أسلوب الخروج،. وهي أساليب تنظم عملية الانتقال المنطقي بين أجزاء القول بصفة عامة، وبين أجزاء القصيدة الشعرية بصفة خاصة، وبين أجزاء البيت بصفة أخص.
وقد تناول السجلماسي -كذلك- هذه الأساليب تحت جنس الانثناء، وهو الجنس التاسع من أجناسه العشرة. ونجدها في ثنايا المصنفات النقدية التطبيقية لدى باقي نقاد القرن الهجري الثامن، وإن كان السجلماسي هو أكثر من تناولها بعمق وتوسع كبيرين؛ بحيث أبرز اقتدار الشاعر في حسن الانتقال بين أجزاء القول، وكذلك لما لهذه التقنيات من جمالية ترفع من جودة القول، وتجذب له اهتمام المتلقي.
وعلى العموم، سنكتفي ببعض من هذه الأساليب لدى هذا الناقد، وخصوصا تلك التي اهتم بها أكثر نظرا لأهميتها الكبيرة في بناء القول:
• الالتفات:
يرى السجلماسي أن أهمية هذه التقنية في تنويع الأسلوب، وتفادي الرتابة التي تمجها نفس المتلقي، يقول:"وفائدة هذا الأسلوب من النظم والفن من البلاغة استقرار السامع والأخذ بوجهه، وحمل النفس بتنويع الأسلوب وطراءة الافتنان على الإصغاء للقول والارتباط بمفهومه قال:"
لاَ ُيصْلِحُ النَّفْسَ إِنْ كَانَتْ مُصَرَّفةً ... إلاَّ التنقُّل مِنْ حَالٍ إِلَى حَال
ولو كان أسلوب القول على نهج واحد لم يكن له هذا الوقع وهذا التأثير" [1] ."
يرى هذا الناقد أن الترتيب لأقسام القول بصفة عامة والقصيدة بصفة خاصة، قد يخرج عن صفته المنطقية إلى صفة جمالية، حتى لا تحس النفس برتابة الأسلوب وتسلسل الأفكار، فترغب عن الاستماع إليه، بل يُحسن أن يكسر ذلك الترتيب من خلال أسلوب الالتفات، بغية التنويع، لكن لا يجب الإكثار في هذه الأساليب فتخرجها من قيمتها الجمالية، إذ هي الاستثناء وليس الأصل في البناء الفني للقول الأدبي.
• الخروج [2] .
تناول السجلماسي كذلك هذا الأسلوب في معرض تناوله لتقنيات البناء الفني للقول الأدبي، ويندرج هو الآخر ضمن أساليب كَسْرِ الترتيب المنطقي لأقسام القول. ولكي يقوم الخروج بدوره الجمالي في البناء الفني للقول، اشترط فيه جملة
(1) - المنزع البديع، ص:443.
(2) - يعرفه السجلماسي:"أن يُرِيَ المتكلم أنه يريد وصف الشيء، وهو إنما يريد آخر يَخْرُج القول إليه. فيتمادى في نهجه ويستمر في صوبه"، المنزع البديع، ص:472.