وذهب بعض النقاد إلى تتبع التجديد الذي لحق العروض العربي من خلال تناول بعض أنماط الإبداع التي ظهرت في العصور المتأخرة على غير الإيقاع العربي الموروث، سواء من خلال اجتهادات فردية [1] ، أو من خلال أنماط عرفت وتطورت مثل: الموشحات [2] والدوبيت [3] .
لن نتطرق إلى هذه البحوث في الإيقاع الموسيقي من حيث هي مفاهيم، بقدر ما سنقف عندها فيما تطرحه من قضايا نقدية، لا سيما وأن الإيقاع دخل في علاقات مع باقي عناصر الشعر الأخرى.
كما تناول نقاد القرن الهجري الثامن هيكلة القصيدة الشعرية بالدراسة، وبناء أجزاء العمل الفني بصفة عامة، من خلال: الوقوف عند العلاقات التي تربط عناصر البيت الشعري الواحد، وكذا فصول القصيدة كاملة، وتناول مفتتح القصيدة وختامها.
ولم يكن هؤلاء النقاد أول من طرق هذه القضية، بل إن جهودهم حلقة في سلسلة الدراسات النقدية منذ القديم. واستمرت إلى الدراسات المعاصرة المهتمة بالموضوع. فقد شاع"بين الدارسين المحدثين أن القصيدة العربية أمشاج لا يربطها ببعضها رابط، وخليط من الرؤى، ومنازع من القول متباينة، وانتهى بعضهم إلى القول بأن القصيدة العربية القديمة تفتقر كليا إلى الوحدة الموضوعية والعضوية" [4] ، وقد شاع هذا الرأي لدى شوقي ضيف [5] ومن معه، وذهب آخرون إلى وجود هذه الوحدة في التراث الأدبي، ومنهم طه حسين [6] ومن معه [7] .
وقد تنوعت مستويات دراسة نقاد القرن الهجري الثامن لهيكلة القصيدة، فكانت لهم وقفات على البيت والمقطع والفصل والمقطوعة والقصيدة الكاملة.
وفي سبيل بسط قضايا البناء الفني في النقد الأدبي خلال القرن الهجري الثامن ن زاوية التلقي وجهود التجديد، فقد توسلت هذه الدراسة بمقدمة ومبحثين:
(1) - هناك إشارات في ثنايا المصادر النقدية العربية لخروج فردي عن العروض العربي إما خطأ أو بقصد: أبو العتاهية أنموذجا.
(2) - نذكر جهود كل من ابن الخطيب في كتابه جيش التوشيح، وجهود ابن خلدون في الفصلين الأخيرين من مقدمته.
(3) - نذكر جهود كل من أبي بكر محمد القللوسي في كتابه"زهرة الظرف وزهرة الطرف في بسط الجمل من العروض المهمل"وما جاء في مقدمة ابن خلدون، وفي"رسالتان فريدتان"لمالك بن المرحل.
(4) - الشعر المغربي في العصر المريني: قضاياه وظواهره، عبد السلام شقور، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، جامعة عبد الملك السعدي بالمملكة المغربية، ط 1، 1996 م، ص:368.
(5) - انظر: في النقد الأدبي، دار المعارف بمصر، ط 4، ص:153 وما بعدها.
(6) - انظر: حديث الأربعاء، دار المعارف، ط 12، القاهرة، 1925 م، ج 1، ص:30 - 31.
(7) - انظر: فن الشعر، إحسان عباس، دار صادر، ط 1، بيروت، 1996 م، ص:216.