ومفتتح أقواله مما يتطير به ويستجفى من الكلام والمخاطبات" [1] . إلا أنه يركز على القصائد الشعرية أكثر من غيرها، بقوله:"لا سيما في القصائد" [2] ، ويعطي أمثلة للمفتتح في الشعر،"مثل ابتداء قول الأعشى:
مَا بُكَاءُ الكبيرِ بِالأَطْلاَلِ ... وَسُؤَالِي وَهَلْ تَرُدَّ سؤالِي
دِمْنَةٌ قَفْرَةٌ تَعَاوَرَهَا الصَّيْـ ... ـفُ بِرِيحَيْنِ مِنْ صَبَأٍ وَشَمَالِ" [3] "
فمفتتح هذه القصيدة عبارة عن بيتين شعريين.
وبالمقابل، نجد كل من ابن رشيق القيرواني (تـ 456 هـ) وحازم القرطاجني (تـ 684 هـ) قد ربطا هذا المصطلح بالقصيدة الشعرية ربطا وثيقا: فعلى الرغم من أن المصطلح المعتمد لدى القيرواني في هذا الصدد، هو لفظ"المبدأ"إلا أنه وظف مصطلح"الافتتاح"وسماه كذلك"بالفاتحة"بالاستناد إلى جهود القدماء، وربطه بالشعر دون غيره، يقول:"قيل لبعض الحذاق بصناعة الشعر: لقد طار اسمك واشتهر، فقال، لأني أقللت الحز، وطبقت المَفْصَلَ، وأصبت مقاتل الكلام، وقرطست نكت الأغراض بحسن الفواتح والخواتم ولطف المخرج إلى المدح والهجاء، وقد صدق لأن حسن الافتتاح داعية الانشراح ..." [4] . ويقصد هذا الناقد بالافتتاح الكلمة الأولى من المصراع الأول من البيت الأول، بحيث تكون من البيت بمنزلة المفتاح الذي يفتح مستغلقه، يقول:"وبعد، فإن الشعر قُفْلٌ أوله مفتاحه، وينبغي للشاعر أن يجوِّد ابتداء شعره؛ فإنه أول ما يقرع السمع، وبه يستدل على ما عنده من أول وهلة، وليجتنب"ألا"و"خليلي"و"قد"فلا يستكثر منها في ابتدائه" [5] .
ويذهب حازم المذهب نفسه في ربط مصطلح"المفتتح"بالشعر دون غيره، وفي اعتباره الكلمة الأولى في البيت الأول، يقول:"فأما ما يرجع إلى مفتتح المصراع فأن يكون دالا على غرض القصيدة، وأن يكون مع ذلك عذب المسموع، ولا يكون ذلك ممَّا تردّد على ألسنة الشعراء في المطلع حتَّى أخلق وذهبت طلاوته كلفظة خليلي، أو ممَّا اختص به شاعر ولم يتعرض أحد لأخذه منه، كقول امرئ القيس:"قفا نبك"" [6] .
• الابتداء.
جاء مصطلح"الابتداء"لدى ابن بطوطة (تـ 779 هـ) في رحلته، حينما جاء بقصيدة الشاعر شهاب الدين أبي بكر محمد بن الشيخ الميافارقيني، ويبدو أن قصده من هذا المصطلح هو الكلمة الأولى من البيت الأول [7] .
(1) - عيار الشعر، ص:126.
(2) - عيار الشعر، ص:126.
(3) - عيار الشعر، ص:126.
(4) - العمدة، ج 1، ص:217.
(5) - العمدة، ج 1، ص:218.
(6) - منهاج البلغاء، ص:284.
(7) - تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار (رحلة ابن بطوطة) ، شرحه وكتب هوامشه: طلال حرب، دار الكتب العلمية، ط 2، بيروت، 1413 هـ/1992 م، ص:91.