أَشقَى في الحياة من الظالِمين، ممَّن أشبَهَ الأَكاسِرة والقَياصِرة وأمثالهم من الجبابرة، وكم أفنى من جموعهم الظاهرة الفاجرة، وكم بطَش بالعديد من المجتمعات الآثِمة السائرة في حَياتها على نَهْجِ القرون المكذِّبة الغابرة أخذَهَم الله أخذًا وبيلًا؟
أمَا سلَّط الله بعضَهم على بعض، فأخذوا ما لهم، وانتزَعُوا الملك من أيديهم، وأجلوهم من الأرض؟
أمَا أرسَلَ الله على بَعضِهم الطوفان، وابتَلاهُم الله بالعظيم من فتن الزمان؟
أمَا أصاب الله الآخَرين بالجدب وتَوالِي السنين، وآخَرين بجور الأئمَّة وأنواع الظَّلَمة؟
وكم أهلَكَ اللهُ من قريةٍ بالزلازل والخسْف، وأخرى بالحروب الأهليَّة وفرقة الصفِّ وشدَّة الخوف، أمَا ظهرت في هذه العصور شدَّة المؤونة وكثرة المَجاعات، وانتشرتْ في العديد من المُجتَمعات الأمراض المستعصِيَة والأوبِئَة المروِّعة في شتَّى الجِهات؟
أمَا ابتَلَى الله أوطانًا بالأعاصير الحسيَّة والمعنويَّة المُهلِكة للحرث والنسل؟
أمَا أتى الله بُنيَان آخَرين من القَواعِد فخَرَّ عليهم السَّقف من فَوقِهم، وأتاهم العَذاب من حيث لا يَشعُرون؟
وصدَق الله العظيم إذ يقول مُتوعِّدًا: {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} [الزمر: 51] .
فلمَّا تَشابَهتْ قلوبُهم واتَّفَقوا على قَبِيح الفعال، وسيِّئ المقال، وفَساد الأحوال - أصابهم الله بمثْل ما أصاب به سلَفُهم من النَّكال.
أيها المسلمون:
لقد اتَّفَق مُعظَم أهْل الأرض اليوم على الكفر بربِّ البريَّة، والتنكُّر للرسالة المحمديَّة، وعَظَّموا المعالم الشركيَّة، وحَكَّموا أوضاع الجاهليَّة، وظلَم بعضُهم بعضًا، واتَّخَذُوا دينَ الله وعِبادَه الموحِّدين غرَضًا، وأضاع كثيرٌ من المنتَسِبين للإِسلام الصلاة، واتَّبَعوا الشَّهَوات، ومنَعُوا الزكاة، وانتَهَكُوا حُرمَة الصيام، وحجُّوا إلى المَشاهِد الشركيَّة كما يحجُّون إلى البيت الحرام، وأكَلُوا الربا، وتعاطوا الرِّشا، واستحلُّوا الزنا، وظهَر فيهم التبرُّج والسُّفور، والكثير من مُحدَثات الأمور، وأعجب الكثير من مُثقَّفيهم بالدول الكافرة، وما فيها من القوانين الفاجرة، وخفي في كثيرٍ من مجتمعات الإِسلام الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر،