فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 216

عليكم حكمُه فلا تُواقِعوه، حتى يتبيَّن لكم شأنُه بردِّه إلى الكتاب والسنَّة، وما أُثِر عن السلف الصالح من هذه الأمَّة، فإن لم تكونوا أهلًا لمعرفته واستِنباط حكمه من هذه المصادر، فارجِعُوا فيه إلى أهل العلم الأكابر، أولي النهى والبصائر، عمَلًا بالقرآن، وطلبًا للهدى من الرحمن؛ قال - تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 43 - 44] .

وعليكم - عبادَ الله - بأمرَيْن خفيفة مؤونتُهما، عظيم أجرُهما، لم يلقَ الله بمثلهما: الصمت وحسن الخلق؛ فإنَّ الناس إنما يؤتون يومَ القيامة من إحدى ثَلاثٍ: إمَّا شبهة في الدين ارتَكَبُوها، أو شهوة للذَّة آثَروها، أو غضبة لحميَّة أعمَلُوها.

فإذا لاحَتْ لكم شُبهةٌ فاجلوها باليَقِين، وإذا عرَضَتْ لكم شهوةٌ فاقذفوها بالزُّهد، وإذا عرضَتْ لكم غضبة فادرَؤُوها بالعفو؛ تفوزوا بجنَّة عرضها السموات والأرض، أُعدَّت للمتَّقين، الذين يُنفِقون في السرَّاء والضرَّاء، والكاظِمين الغيظ والعافين عن الناس، والله يحبُّ المحسنين.

معشرَ المسلمين:

ما أقرب البداية من النهاية! وما أكثر العَوارِض الصارفة عن جليل الغاية! فها أنتم تودعون عامًا قد انقضَتْ أيَّامُه ولياليه، وطُوِيت صحائف ما عَمِلتُم فيه، وكم فتنة في الدين والدنيا تعرَّضتم لها فيه؛ {أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} [التوبة: 126] ، {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [الرعد: 41] .

وكما ودَّعتُم عامًا قد مضى وانقَضَى، فقد استقبَلتُم عامًا جديدًا، وسيكون إذا انقَلَب عليكم شَهِيدًا، ولا تَدرُون مَن منكم يستَكمِلُه، ممَّن تختَرِمه المنيَّة إذا حضَر أجَلُه.

فاجتَهِدوا فيما بَقِي من أعماركم بصالح العمل، وأخلِصُوا النيَّة في كلِّ شيءٍ لله - عزَّ وجلَّ - وتفقَّهوا في الدِّين، وكونوا بالحقِّ والصبر والمرحمة مُتواصِين، واحرِصُوا على ما ينفَعُكم، واستَعِينوا بالله ولا تكونوا ممَّن غفل واتَّبَع هَواه، وكان أمرُه فرطًا، أو رَكِب شطَطًا، فإنَّ العمر ثمين ينبَغِي أنْ يُصان عن تضييعه في البطالة، أو أعمال أهل السَّفَه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت