عباد الله:
تعلَّموا العلم؛ فإنَّ تعلُّمه لله خشية، وطلبَه عبادة، ومُذاكَرته تسبيحٌ، والبحث عنه جِهادٌ، وتعليمه لِمَن لا يعلَمُه صدقة، وبذله لأهله قربة؛ لأنَّه معالم الحلال والحرام، ومَنار سبيل أهل الجنة، وهو الأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدِّث في الخلوة، والدليل على السرَّاء والضرَّاء، والسِّلاح على الأعداء، والزَّين عند الأخلاَّء، يرفَعُ الله به أقوامًا فيجعلهم في الخير قادَةً تُقتَفَى آثارهم، ويُقتَدى بفعالهم، ويُنتَهى إلى رأيهم، وترغَبُ الملائكة في مُجالَستهم، وبأجنحتها تحفُّهم، ويستَغفِر لهم كلُّ رطبٍ ويابس، وحِيتان البحر وهوامه، وسِباع البر وأنعامه؛ لأنَّ العلمَ حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظلم، يبلَغُ العبد بالعلم منازل الأخيار والدَّرجات العلى في الدنيا والآخِرة، التفكُّر فيه يعدل الصيام، ودِراسته تعدل القيام، به تُوصَل الأرحام، وبه يُعرَف الحلال من الحرام، وهو إمام العمل والعمل تابعه، يُلهَمه السُّعَداء، ويُحرَمه الأشقياء.
أيها المسلمون:
تعلَّموا كتابَ الله وعلِّموه أولادَكم ونساءَكم؛ فإنَّه أفضَلُ الحديث، وتفقَّهوا فيه؛ فإنَّه ربيع القلوب، واستشفوا بنوره؛ فإنَّه شفاءٌ لما في الصدور، وأحسِنُوا تلاوته؛ فإنَّه أحسن القصص، وإذا قُرِئ عليكم فاستَمِعوا له لعلَّكم تُرحَمون، وما هُدِيتُم لعِلمِه فاعمَلُوا به لعلَّكم تهتدون.
ألاَ وإنَّ العَالِم العامل بغير علمه، كالجاهل الحائر الذي لا يستَقِيم عن جهله، بل إنَّ الحجَّة أعظَمُ والحسرة أدوَمُ على هذا العَالِم المنسَلِخ من عمله، من ذاك الجاهل المتحيِّر في جهله، وكلاهما مُضلٌّ مثبور، والسعيد مَن علم خيرًا فعمل بِرًّا، وقدَّم ذخرًا، وورث هُدًى ينتَفِع به من بعده، جعلَنِي الله وإيَّاكم من السُّعَداء في الدُّنيا والآخِرة، وأعاذَنا من حال الجاهِلين، ومآل الأشقِياء الخاسرين.
أيها المؤمنون:
رُوِي عن أمير المؤمنين عليٍّ - رضي الله عنه - أنَّه قال:"الناس ثلاثة: فعالِمٌ رباني، ومتعلِّم على سبيل نَجاة، وهمج رعاع أتباع كلِّ ناعق، يَمِيلون مع كلِّ ريح، لم يستَضِيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى رُكنٍ وَثِيقٍ، العلم خيرٌ من المال؛ العلم يحرُسك وأنت تحرُس"