المال، والعِلم يَزكُو مع الإنفاق والمال تنقصه النَّفَقة، العلم حاكمٌ والمال محكومٌ عليه، ومحبَّة العلم دين يُدان لله بها، والعلم يكسب العالم الطاعة في حَياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، وضيعة المال تزول بزَواله، مات خُزَّان الأموال وهم أحياء، والعُلَماء باقون ما بقي الدَّهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة"."
أيها المؤمنون:
مَن أورَثَه الله علمَ الكتاب والسنَّة فقد اصطَفاه، ومَن استَشهَد به على تَوحِيده وصدق وعده فقد عدَّله وزكَّاه وارتَضاه، ومَن شهد الله له بكمال الخشية منه فقد أحبَّه وأدناه، وما أعظم ما أعدَّ له من النَّعِيم وألوان التَّكرِيم والرِّضوان في أخراه، وكيف لا وقد جعَلَه الله في الدارَيْن في درجةٍ تَلِي درجة النبيِّين؟ وكلُّ ذلك ممَّا اختَصَّ الله به العُلَماء العاملين، وذلك هو الفضل المبين.
يقول - تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر: 32] ، وقال - عزَّ وجلَّ: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت: 49] ، وقال - سبحانه: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18] ، وقال - سبحانه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 28] .
وقال - جل ذكره: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 52] ، وقال - تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] .
وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( مَن سلَك طريقًا يلتَمِس فيه عِلمًا، سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة ) ).
وقال - صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ العُلَماء ورَثَة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يورثوا دِينارًا ولا دِرهمًا؛ إنما ورثوا العلم، فمَن أخَذَه أخَذَ بحظٍّ وافر ) )، وجاء عنه - صلى الله عليه وسلم - في الشَّفاعة: أنَّ أوَّل مَن يَشفَع الأنبياء، ثم العُلَماء، ثم الشُّهَداء.
ففي هذه النُّصوص الكريمة ما يُحفِّز العاقل ذا الهمَّة العالية على طلب العلم والاشتِغال به، فإنْ أدرَكَ ذلك فازَ بتلك الكَرامات، وإنْ مات قبل بُلوغ الغاية فحسبُه أنَّه مات في