وقال - تبارك اسمه: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ * إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [هود: 1 - 4] .
عبادَ الله:
ولقد ضمِنَ الله - تعالى - الرزقَ للجن والإنس، وأخبَر أنه هو الرزَّاق ذو القوَّة المتين؛ لأجل أنْ يتفرَّغوا للعبادة، وليستعينوا به على الطاعة، وليتميَّز أهلُ الشكر والإحسان، من ذوي الجحود والكفران، فتبًّا لمن شغلَه أمرُ الرزق عن عبادة الرازق، ويا خسارة من أبطرتْه النعمة فاستعملَها في معصية المحسن الخالق، ومَن تجرَّأ على الحرام، فقد أساء الظنَّ بالملك القدُّوس السلام.
معشر المسلمين، حقٌّ على كلِّ مؤمن بالله واليوم الآخر من الثَّقَلين أنْ يجتهدَ وسعه في أداء العبادة لله - تعالى - على وجْه الإخلاص، سليمة من الزيادة أو الانتقاص، بل يقوم بواجبات الطاعات، ويُكملها لتتميم نقْصها وتكميل أجْرِها بالنوافل والمستحبَّات، على وجْه الخضوع والتذلُّل والمحبَّة لله، والرغبة والاضطرار إليه وحدَه دون مَن سواه، ويتجنَّب المحرَّمات، ويحتاط لذلك باتِّقاء الشبهات؛ تعظيمًا لله وإجلالًا له، وخوفًا منه ورَهبة، فلا يتعلَّق القلب ولا ينشغل اللبُّ من العبد إلاَّ بالله - تعالى - فإنه - سبحانه - هو الذي خلَقَه من العدم، وربَّاه بأنواع النعم، وأنشأ له السمع والبصر والفؤاد، وبصَّره من العمى، وهداه من الضلالة، فما أعظم نِعمه على العباد!
فحقٌّ على العبد ألاَّ يدعو ولا يستغيث، ولا يستنصر ولا يستجير، ولا يحلف ولا يستخير إلاَّ بالله، وألاَّ ينحر ولا يَنذر، وألاَّ يركعَ ولا يسجد أو يخضع إلاَّ لله، ولا يخاف ولا يخشى على وجْه الإجلال والتعظيم إلاَّ الله، ولا يرجو ولا يحب إلا الله، وهكذا إنْ أصابه خيرٌ شكَرَ الله، وإنْ أصابَه ضرٌّ الْتَجَأ إلى الله، وشكا الحال إلى مَولاه.
فعبدُ الله - حقيقةً - قلبُه متعلِّق بالله وحدَه، يرغب إليه ويستعين به في تحصيل كلِّ مَحبوب، ويهرب إليه ويستجير به مِن كلِّ مرهوب، ويتوجَّه إليه في جميع مقاصده وإراداته، ويُخلص له في دعائه وصلاته، ويتقرَّب إليه بزكاته وصَدَقاته، وسائر نَفَقاته،