أيها المسلمون:
إنَّ الناسَ إذا فَعلوا المعاصي وارْتكبوا المنكرات، فلم يَتقيَّدوا بالأمر والنهي عن المنكر بحسبِ الاستطاعة، ولم يَقُمْ أولو الغَيْرة والسلطان بالإصلاح، والأخْذِ على أيدي السفهاء، وأَطْرِهم على الحقِّ أَطْرًا، فإنَّ الله يحلُّ بالمجتمع عقوباتِه الكونيةَ القَدريةَ مثلما أحلَّ بالأُمَم الخالية، والقرون الماضية.
والعقوبات الكونيَّة أعظمُ مِن العقوبات الشرعيَّة أَخْذًا، وأخْطَر عاقبة، ومِن ذلكم: الختْم على القلوب، وصَمُّ الأسماع، وطَمْس الأبصار، حتى يُحالَ بيْن المرْء وبيْن قلْبه، ويَغفُل عن ذكْر ربِّه، وينسَى نفْسَه، ويُثبَّط عن طاعةِ مولاه، وتُمحَق بركةُ عمرِه ووقته، وسعيه في دِينه ودُنياه، فيفرِّط في الأمانات، وتَضيع عليه بلا فائدة جملةُ الأوقات، وتَذهَب نفسُه عليه عندَ الموت حسرات.
ومِن العقوبات الكونيَّة القدرية العامَّة ما يَبتلي الله بها الناسَ عندَ ظهور المنكرات؛ مِن شيوعِ الفواحِش والجرائم، ونسيانِ ما ذُكِّروا، وفرَحِهم بما أُوتوا، واغترارِهم بالدُّنيا وزُخرفها، وظنِّهم أنهم قادرون عليها؛ مِن ظهور الأمراض الغريبة، واستفحال الأوجاع المستعصية، ومَنْعِهم القَطْر من السماء، وأخْذِهم بالسِّنين، والغلاء وجَوْر السلاطين.
حدَّث عبدُالله بن عمر - رضي الله عنهما - عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( ما ظَهرتِ الفاحشةُ في قوم حتى أعْلَنوا بها إلا ابْتُلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافِهم الذين مَضَوا، ولا نقَص قوم المكيالَ إلاَّ ابتلوا بالسِّنين(أي: القحط) وشِدَّة المؤونة (أي: غلاء الأسعار) وجَوْر السلطان (أي: ظُلْمه لهم، وقَهْره إيَّاهم) ، وما منع قومٌ زكاةَ أموالهم إلا مُنِعوا القَطْرَ من السماء، ولولا البهائمُ لم يُمطَروا )).
فانظروا معاشرَ المسلمين صِدْقَ الحديث عنِ المعصوم - صلى الله عليه وسلم - الذي لا يَنطِق عن الهوى، إنْ هو إلا وحيٌ يُوحَى.
في واقِع مُعظمِ العالَم الإسلامي اليوم ظَهَر الزِّنا، وأُعلِن عنه، ووُجِد مِن القوانين الوضعيَّة التي يحكُم بها الظَّلَمةُ الناس ما يَحْمي الزُّناة، ويعفيهم مِنَ العقوبة الشرعيَّة التي حكَم الله بها، وأقامَها رسولُه - صلى الله عليه وسلم - فظهَرَ مِن الأسقام ما عرَفَه الناس مِنَ الزنا: كالزُّهري والسَّيلان والإيدز، الذي يُسمُّونه مرَضَ عدم المناعة، والذي قرَّر المختصُّون أنَّه لا مخرجَ