أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء: 131] .
فكانت مَدار كلِّ الشرائع، ومهمَّة جميع الرسل، ومَضمُون جميع الكتب، ورسالة الله - تعالى - إلى كلِّ أمَّة، وجعَلَها الله أوَّل مَوعِظة كلِّ نبي أرسَلَه إلى أمَّةٍ من الأمم، فأوَّل ما يَقرَع به أسماع أمَّتِه من كلامه قولُه تبليغًا عن ربِّه: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [الأعراف: 65] .
كما جاء ذلك على لسان نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى وعيسى ومحمد، صلَّى الله عليهم أجمعين وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
وكم في القرآن من النَّعْي على مَن خَلا منها، ولقد جاء الأمرُ بالتقوى في القرآن وحدَه بأكثر من ثمانين موضعًا، فضلًا عن المواضع التي جاء فيها ببيان فضْل التقوى والثَّناء على أهلها.
أيها المسلمون:
إنَّ المرء إذا تَحَلَّى بالتقوى اتَّصَف بالإِخلاص لله في كلِّ عمل، وصدق الاتِّباع للنبي المُرسَل، فصار جميل الخلق، طيِّب القول، مُنافِسًا في الخير، سبَّاقًا إلى كلِّ فضيلةٍ، يعبُد ربَّه عبادةَ مَن يُوقِن بالوقوف بين يدَيْه والعَرْض عليه، ويَخشَى خشيةَ مَن يَعلَم أنَّ الله مُطَّلِعٌ عليه، ويَراه في كلِّ مكان، وفي سائر الزمان، وأنَّه يجزي الذين أساؤوا بما عملوا، ويَجزِي الذين أحسنوا بالحسنى.
أيها المسلمون:
إنَّ التقيَّ يتميَّز من بين سائر الناس بهجْر فاحِش القول من السبَاب والشَّتائم، والكذب والإِفك، والغِيبة والنَّمِيمة، والخصومة والمِراء والجدل، ويتجنَّب كذلك الغشَّ والنميمة والزُّور والبهت، والغدر ونقض العهود، وظلْم الناس وأكْل أموالهم بالباطل، وهتْك أعراضهم وانتِهاك حرماتهم؛ لأنَّه يَخاف عذاب الآخِرة: {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود: 103 - 105] .
ولسان حال التقي يقول: {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} [الإنسان: 10 -