وجعَلَ هذه الأمَّة خيرَ أمَّةٍ أُخرِجت للناس، تأمُر بالمعروف، وتَنهَى عن المنكر، وتُؤمِن بالله، وجعَلَها أمَّة وسَطًا شهيدةً على الناس في الدنيا والآخرة بما جاءَها من ربها - سبحانه - على لسان نبيِّها - صلى الله عليه وسلم - تَشهَد على تبليغ الرسل - صلوات الله وسلامُه عليهم أجمعين - لأُمَمِهم رسالات الله ونصحهم لها، وكما أنَّ هذه الأمَّة خير الأُمَم في الدنيا فهي خيرُها وأكرَمُها على الله - عزَّ وجلَّ - يوم القيامة؛ فإنها توفى سبعين أمَّة يوم القيامة هي خيرُها وأكرمُها على الله - عزَّ وجلَّ - وهي أوَّل مَن يجوز الصراط ويدخُل الجنة، وهي أكثر أهلِ الجنَّة؛ إذ تبلُغ نصف أهل الجنة وتَزِيد، بل يُرجَى أنْ يكونوا ثلثي أهل الجنَّة، فالحمد لله على جَزِيل عطائه وسابغ نعمائه.
معاشر المسلمين:
إنَّنا - أهلَ هذه البلاد - قد خَصَّنا الله - تعالى - بفضْلٍ منه ومنَّة من بين سائر مُجتَمَعات الأرض في الجملةِ بنِعَمٍ كبيرة عظيمة، ظاهرة وباطنة، وحُلَلٍ من الرَّخاء والعَطاء سابغة: مُعتَقَد صحيح، وعمل صالح، وسلوك قويم، وصحَّة في الأبدان، وأمن في الأوطان، ووَفْرَة في الأرزاق، وولاية نحسبها لا تألو جهدًا في تَحقِيق ما فيه خيرُنا وصلاحُنا في العاجل والآجل، والمعصوم مَن عصَمَه الله، والمُوَفَّق مَن وفَّقَه الله، والسَّعِيد مَن تاجَر بنِعَمِ الله مع الله؛ {يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 29 - 30] ، فاغتَنِوا نِعَمَ الله فيما يُقَرِّب إليه، وسارِعُوا بها إلى ما يُرضِيه.
عبادَ الله:
إذا كانت الحال ما وصَفتُ، والنِّعَم ما إلى جُلِّها أشَرتُ، فما بال أقوامٍ إذا سنَحَتْ لهم الفُرَص، وتهيَّأت لهم النقلة فرُّوا من بِلاد النِّعَم إلى مَواطِن النِّقَم بأنفُسهم ومَحارِمهم وأموالهم، وربما أرسَلُوا سُفَهاءهم وغير ذوي الرشد منهم! يَخرُجون من بلاد التوحيد التي يَعلُو فيها الأذان، وتُقام فيها الجمعة والجماعة، ويُؤمَر فيها بالمعروف ويُنهَى فيها عن المنكر، وتُقام فيها الحدود والتعزيزات، ويُدعَى فيها إلى الخير من حيث الجملة، ولم يَظهَر فيها - بحمد الله - الزنا، ولم تُعلَن فيها الخمور، فيخرجون من هذه البلاد الآمِنة المطمئنَّة إلى بلادٍ يُحكَم فيها بالطاغوت، ويُعلَن فيها الزنا، وتُشرَب فيها الخمور، ويَخفَى فيها