أن ينأى - أي يبعد - عنها، ومن سمعها بأهلها فلا يأتيهم، وأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن من يستشرف لتلك الفتن تستشرف له، وأن من يصغي لدعاتها يفتن بهم فيتبعهم فيهلك معهم بخسارة دينه ودنياه وآخرته، وتعرضه لعذاب ربه وسخطه ومقته.
أيها المسلمون:
ومما أثر من كلام السلف قول أحدهم:"الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها"...
وإنما يوقظ الفتن أحد ثلاثة:
إما جاهل بدين الله، أو ذو هوى، متقول على الله داع لهواه مضل لعباد الله، وأما الثالث فمنافق أفاك، لئيم حاقد سفاك، فالأول مشقٍ لنفسه ومن اتبعه، والثاني مفسد للدين الذي منّ الله به وشرعه، وقرن كل خير به ومعه، والثالث تارك للفرض مفسد في الأرض، ساعٍ إهلاك الحرث والنسل سيء الحظ، فجنايته كبيرة وخطرة، بالتعدي على حرمات المسلمين، وتغيير صورة الدين، والتمكين للأعداء المتربصين، {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون} ، والكل منهم {إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد} .
أيها المسلمون:
وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: (( لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ولا يدعو به من قبل أن يأتيه فإن كان لابد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي ) )، ذلكم عباد الله لأن تمني الموت أو الدعاء به - من أجل الضر من مرض شديد أو عيش جهيد أو تسلط ظالم عنيد أو حاكم ذي جور لا يزيد - مبناه على سوء الظن بالله أو التسخط لقدر الله، أو اعتقاد المتمني أو الداعي أن اختياره لنفسه أفضل أو أرحم من اختيار الله، وقد قال تعالى في مثل هؤلاء: (يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية) ، وقال سبحانه: {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين * فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين} ، وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه ) )، وأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن الله تعالى يقول: (( أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء ) )، يعني إن ظن بالله خيرًا وجده وأثيب عليه دنيًا