أيها المسلمون:
إنَّ ظاهرة التشبُّه بأعداء الإِسلام من اليهود والنصارى والمجوس والمنافقين وسائر المشركين - في هذا الزمن - من الظواهر البارزة اللافتة للنظر، والتي تقتَضِي من كلِّ عاقلٍ عظيمَ الحذر؛ لما تشتَمِل عليه من نُذُرِ الخطر، ومُوجِبات الشر وعظيم الضَّرَر، فإنَّ ظهور التشبُّه بأعداء الله من أهل الكتاب والمشركين من شخص أو مجتمع أو أمَّة - دليلٌ على قلَّة العلم وضعْف الإِيمان، وانحِراف الفطرة، وعلامة على مرض القلوب وعمى البصائر، واختلال المقاييس وانقِلاب الموازين، ومَظهَر من مظاهر كفران النعم، وغلَبَة الهوى وإيثار الأولى على الأخرى؛ ذلكم لأنَّ تشبُّه إنسانٍ بآخَر يدلُّ على إعجابه بما كان عليه مَن تشبَّه به ومحبَّته لما تشبَّه به فيه. والقاعدة العامَّة المتَّفَق عليها لدى جميع العُقَلاء ذوي الفِطَر السليمة والموازين المستقيمة أنْ يتشبَّه الأدنى بالأعلى، وأنْ يتأثَّر المغلوب بالغالب، وأنْ يقتدي الضعيف بالقوي؛ رجاء أنْ يصل إلى مستواه وأنْ يتمكن منه، وإذا كان ذلك كذلك فهل يَلِيق أنْ يتشبَّه الرشيد بالسَّفِيه، أو أنْ يظهر العالم بمظهر الجاهل؟ أم هل يليق أن يحذو المستقيم حذو المنحرف؟ أم هل يقتدي العاقل بالمجنون؟ لا شكَّ أنَّ ذوي الحجا والنُّهى يمقتون ذلك ويعدُّونه من ضروب المهالك.
إذًا فكيف يَلِيق بمسلمٍ شرَح الله صدره للإِسلام وأكرَمَه بالإِيمان فجعَلَه على نورٍ من ربه، ومن خير أمَّةٍ أُخرِجت للناس، خصَّها الله بخاتم النبوَّة وأشرف الرسل وأكمل الأديان، وأجل الكتب وأعظم الشرائع وأحسن الأحكام، التشبه بمَن اتَّخذ إلهه هواه، وأضلَّه الله على علم، وختَم على سمعه وقلبه، وجعَل على بصره غِشاوة، ووصَفَهم بقوله: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 44] .
بل هم شرُّ الدواب كما قال - سبحانه: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنفال: 55] ، {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: 18] ، {لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد: 23] .
أيها المسلمون:
إنَّ التشبُّه بأعداء الله دليلٌ على تعظيمهم والإِعجاب بما هم عليه من الضلال والباطل،