هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر: 17 - 18] .
فيحفَظهم الله ويحفَظ لهم دينهم ودنياهم وأُخرَاهم، ويحفَظ بهم مَن شاء مَن عباده؛ لما ثبتوا على الدِّين صابِرين، وجاهَدُوا في الله مُستَيقِنين، فإنَّه بالصبر واليقين تُنال الإِمامة في الدين؛ {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] .
ومن الناس مَن إذا عرَضَتْ له الشهوة أو أُورِدت عليه الشبهة آثَر دُنياه على دِينِه، وزالَ صبرُه وشكَّ في يقينه؛ فاقتَحَم الشهوات، وتذرَّع بالشبهات، وسار خلْف كلِّ ناعق، واتَّبَع كلَّ أفَّاك ومُنافِق، فصار من الغاوِين، وانضَمَّ إلى حزْب الشياطين الخاسرين؛ فهلك بنفسه، وأهلك بعمى ضلالته سواه: {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا} [النساء: 107 - 108] .
وغدًا: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} [الفرقان: 27 - 29] .
وصدَق الله العظيم إذ يقول أيضًا: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} [الزخرف: 36 - 38] .
وهكذا كلُّ داعٍ إلى فتنةٍ يكون مع مَن أضلَّه؛ {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} [الحشر: 16 - 17] .
أيها المسلمون:
وإذا كانت الفتن تجلب على العبد خسارةَ الدنيا والآخرة؛ لأنها تُفقِده دينه، وتُورِثه غضب ربه، وشَقاء العاجلة والآجِلة، وإذا كان مُرتَزَقَة الفِتَن وسَماسِرة الباطل بين أظهرنا ومن بني جلدتنا، ويتكلَّمون بألسنتنا، ويَدخُلون علينا من بابَي الشهوات والشبهات - فعلينا الحذر والجد في اتِّقاء الخطر، ولا حوْل ولا قوَّة إلا بالله قاهر المتجبِّرين، وعالم خائنة