والتشديد في حرف الطاء من كلمة (يطهرن) وصيغة التشديد تفيد وجوب المبالغة في طهر النساء من الحيض؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، أما قراءة التخفيف فلا تفيد هذه المبالغة ومجموع القراءتين يحكم بأمرين أولهما: أن الحائض لا يقربها زوجها حتى يحصل أصل الطهر وذلك بانقطاع الحيض، والثاني: أنه لا يقربها زوجها أيضا إلا إذا بالغت في الطهر وذلك بالاغتسال وهو ما ذهب إليه الإمام الشافعي ومن وافقه، ويبدو أن جواز القراءتين يدل على جواز الأمر الأول، إلا أن الأمر الثاني أفضل وأكثر استحبابا.
والحكمة الثالثة: هي الدلالة على حكمين شرعيين ولكن في حالتين مختلفتين كقوله تعالى في بيان الوضوء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) {المائدة: 6} قرئ بنصب (أرجلكم) وبجرها فالنصب يفيد طلب غسلها لأن العطف حينئذ يكون على لفظ (وجوهكم) المنصوب الذي حكمه الغسل، والجر يفيد طلب مسحها، لأن العطف حينئذ يكون على لفظ (رؤوسكم) المجرور الذي حكمه المسح والمعروف أن النصب هو الأصح والأشهر، لأن المراد به الحالة العامة التي هي وجوب الغسل لقوله - صلى الله عليه وسلم - ويل للأعقاب من النار إن لم تغسل والأعقاب مؤخر القدم، وهذا حديث نبوي قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينما نظر إلى رجل يتوضأ ولم يغسل قدميه وهو حديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما؛ أما الجر فقد كان في حالات خاصة وشروط معينة.
والحكمة الرابعة: الجمع بين معنيي القراءتين من ذلك قوله تعالى: (أوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هََذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى