أيها الأحبة الكرام، جاء في الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبيٌ فإذا امرأة من السبي تحلب ثديها تسقي، إذا وجدت صبيًا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: (أترون هذه طارحة ولدها في النار) ؟.قلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: (لله أرحم بعباده من هذه بولدها) .
فتأملوا معي -رحمكم الله- في هذا المشهد المؤثر كيف رحمة هذه الأم وعطفها وهي بين السبي، فقد فقدت رضيعها فاجتمع لبنها ليشاركها البحث عن وليدها، فتضررت باجتماع اللبن، فكانت ترضع من لقيت من الرضعاء، وهي في ذلك تسعى باحثة عن ولدها، فلما وجدته بعد عناء البحث ألصقت ثديها بفمه ناسية آلام البحث وأوجاع نفسها في ظل السبي. فكيف سيكون فرحها به وسرورها بلقائه؟.
كثير من الناس وقتئذ شاهد هذا المشهد فرقّ للأم ورق للصبي ووقف عند ذلك، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم نقل الصحابة رضي الله عنهم والأمة كلها إلى عِبرة أعظم وأعظم.
فإذا كان الوالدان هما مثالَ الرحمة في هذه الحياة فهناك من هو أرحم منهما، إنه الله رب العالمين الذي أوصى الوالدين بأولادهم فقال تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} [النساء:11] .
بل إنه أرحم بالإنسان من نفسه؛ ولذلك نهاه عن قتلها، قال تعالى: { .. وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29] .
أيها الإنسان إن من رحمة الله بك أنه أمرك أن ترحم نفسك بفعل طاعته وترك معصيته؛ لأنه لا يحب لك أن تدخل النار، فإذا عصيته ورددت رحمته بك فلا تلومن إلا نفسك.
أيها الإخوة الفضلاء، مشهد آخر من مشاهد العبرة، رواه البخاري وغيره عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس: (ما رأيك في هذا) ؟، فقال: (رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن يُنكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يسمع لقوله، قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مر رجل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ما رأيك في هذا) ؟، فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يسمع لقوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا خير من ملء الأرض مثل هذا) .
فهذا مشهد آخر يجلّي لنا قيمة الإنسان عند الله، وقيمته عند الناس. فأما لدى أكثر الناس فقيمة الإنسان بمظهره ومستواه الدنيوي حالًا ومالًا ووظيفة، فإذا كان من الأغنياء أو ذوي الوظائف الرفيعة فهذا هو الذي يُجلّ ويحترم، وتكون له الهيبة والمكانة في العيون والقلوب، ولو كان من أكثر الناس عصيانًا لله، وبعدًا عن الخُلق القويم. وأما إذا كان من الفقراء الهزلىْ الذين لا يملكون المال الكثير والجاه العريض ولا الوظيفة الراقية فليست له مهابةن ولا تقدير ولا هيبة، ولو كان من أتقى الناس وأصلحهم.
قال ابن الأحنف:
يمشي الفقيرُ وكلُّ شيء ضدُّه ... والناسُ تُغلِق دونه أبوابَها