فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 309

وتراهُ مبغوضًا وليس بمذنبٍ ... ويَرى العداوةَ لا يرى أسبابَها

حتى الكلابُ اذا رأتْ ذا ثروةٍ ... خضعتْ لديه وحرّكت أذنابَها

وإذا رأت يومًا فقيرًا عابرًا ... نبحتْ عليه وكشّرت أنيابها

وقال آخر:

إن الدراهمَ في المواطنِ كلِّها ... تكسو الرجالَ مهابةً وجمالا

فهي اللسانُ لمن أراد فصاحةً ... وهي السلاحُ لمن أرادَ قتالا

وقال آخر:

ما الناسُ الا مع الدنيا وصاحبِها ... فكلما انقلّبتْ يومًا به انقلبوا

يعظِّمون أخا الدنيا فإن وثبَتْ ... يومًا عليه بما لا يشتهي وثبوا

هذا النظر المتباين هو نظر أكثر الناس إلى الناس، بحيث يُنزلِون كل إنسان حسب ما يملك لا حسب ما يعمل من الخير أو الشر.

وهنا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا المشهد أن يربي الأمة على أن يكون نظرها بمنظار التقوى. فالرجل الأول لما كان من أشراف الناس بماله وجاهه فهو ذو مكانة بينهم بذلك، فإن خطب امرأة لا ترد خطبته؛ طمعًا في ماله وحسن حاله، وإن شفع شفاعة قبلت شفاعته؛ رغبة فيما عنده أو رهبة مما عنده، وإن تكلّم سمعوا لقوله، لا لفصاحته وحسن كلامه، ولكن لمكانته وحسن دنياه، بخلاف الرجل الآخر.

فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس: إن قدر كل إنسان بما يحمله من الصلاح والهدى والخلق الحسن، وليس قدره بماله أو جاهه أو وظيفته، وأراد أن يبين كذلك أن صلاح الحياة تكون بأمثال الرجل الثاني. قال تعالى: { ... إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات:13] .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم [1] .

أيها الإخوة الكرام، مشهد آخر يذكره لنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بشجرة يابسة الورق فضربها بعصاه فتناثر الورق، فقال: (إن الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر لتساقط من ذنوب العبد كما تساقط ورق هذه الشجرة) [2] . وفي رواية لأحمد في المسند: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1) رواه مسلم.

(2) رواه الترمذي، وهو حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت