فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 309

أخذ غصنًا فنفضه فلم ينتفض، ثم نفضه فلم ينتفض، ثم نفضه فانتفض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر تنفض الخطايا كما تنفض الشجرة ورقها) .

إنه تقريب بديع لتكفير الذنوب بهذه الكلمات العظيمة:"سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"كلمات فيها تنزيه الله وثناء عليه، وتوحيده وتعظيمه. إن الذنوب -معاشر المسلمين- بذر سيء، إذا لم يتداركه المسلم بالكفارات والحسنات الماحيات نبت شجره، وأينع ثمره، واشتد عوده، وتفرّعت أغصانه، لكن الله تعالى قد رزق العبد ما ينفض به ورق تلك الشجرة السيئة قبل أن يلاقي ربه عند حصاد العمر ومحاسبة الزرّاع فيما زرعوا. هذه الأشياء النافضة هي هذه الأذكار النافعة، وغيرها من مكفرات الذنوب.

فانظروا إلى هذا الأسلوب الرفيع القريب في بيان الذنوب والمكفرات لها، فهناك شجرة، وهناك أغصان، وهناك نفض، وهناك نافض، وهناك سقوط في النهاية، وثمت نكتة لطيفة في هذا التشبيه البديع ألا وهي أن بعض الأوراق قد تكون عنيدة فتحتاج إلى أكثر من ضربة حتى تسقط، وكذلك هناك معاصٍ كبيرة تفتقر إلى أكثر من مكفِّر وإلى استمرار المحو حتى تغفر.

عباد الله، وجاء في الصحيحين عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلًا مع امرأتي لضربته بالسيف غَيْرَ مُصْفَحٍ، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: (تعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن) . وفي رواية لمسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اسمعوا إلى ما يقول سيدكم، إنه لغيور) . وعند أحمد بسند حسن، قال بعض الأنصار: (يا رسول الله، لا تلمه؛ فإنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط إلا بكرًا، وما طلق امرأة له قط فاجترأ رجل منا على أن يتزوجها؛ من شدة غيرته) .

ففي هذا المشهد يبدو سعد رضي الله عنه رجلًا غيورًا غيرة شديدة حتى إنه لو وجد رجلًا مع زوجته على حال مكروهة لن ينتظر حتى يأتي بالشهود، بل سيباشر الفاعل بالقتل. فالنبي عليه الصلاة والسلام بين أن غيرة سعد صفة كمال، ثم بين أن هناك من هو أغير منه وهو رسول الله وهناك أغير من رسول الله وهو الله تعالى، وغيرة الله اقتضت أن يحرم الفواحش على الناس ما ظهر منها وما خفي.

إن الغيرة-معشر المسلمين- إذا تجذّرت في أخلاق الإنسان ولازمته فهي درع حصينة له ولأسرته وللمجتمع من الفواحش، ولكن عندما تضعف الغيرة وينكسر بابها في شخصية المرء فإن العفة والنزاهة تبدأ بالتسلل والخروج من شخصيته لتلج مكانها الدياثةُ والرضا بالفاحشة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت