فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 309

أيها المسلمون، مشهد آخر يحكي لنا مثالًا من أمثلة عزة النفس، ويعطينا صورة مؤثرة من صور تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن موعظته. عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني، ثم قال: (يا حكيم، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى) . قال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا. فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيمًا إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئًا، فقال عمر: إني أشهدكم -يا معشر المسلمين- على حكيم أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه. فلم يرزأ حكيم أحدًا من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي) [1] .

فتأملوا في هذا المشهد كيف وعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم حكيمًا، بل كيف وعظ الأمة كلها، وانظروا أيضًا كيف استفاد حكيم من هذه الموعظة البليغة حتى مات. لقد سأل حكيم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مالًا المرة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة، ومن حسن تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه لم يقل له: أكثرت علي، أو لن أعطيك بعد ذلك، أو قسا عليه في الخطاب ومنعه المال، وإنما أعطاه هذه الكلمات المضيئة التي أصبحت نبراسًا له في طريق العزة، وقيدًا وعظيًا يحول بينه وبين استعطاء غيره.

لقد وضح له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النفوس البشرية بطبيعتها متعلقة بالمال، غير أنه بين له أن لأخذه طريقين: طريقًا مذمومًا، وطريقًا محمودًا، فالطريق المذموم هو أخذه بطمع وجشع، والطريق المحمود هو أخذه من غير تطلع وشره.

وبين له كذلك العاقبة لأخذه بالطريق الأولى وهي أنه ينتِج قلةَ البركة، وعدمَ القناعة به، حتى ولو كثر ويكون كالذي يأكل ولكن لا يشبع مهما أكل.

ثم بين له عليه الصلاة والسلام أن الشرف للإنسان أن يكون معطيًا لا أن يكون سائلًا فقال: (اليد العليا خير من اليد السفلى) .

فانظروا أثر هذه الموعظة في نفس حكيم، لقد بلغت هذه الكلمات المشرقة العميقة منه مبلغًا عظيمًا، بحيث عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يأخذ من أحد بعده شيئًا لا بسؤال ولا بغيره حتى يموت فوفى بعهده رضي الله عنه حتى مات.

أيها الإخوة الأفاضل، جاء في الصحيحين عن عمرو بن عوف: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها وكان الرسول الله صلى الله عليه وسلم هو صالحَ أهل البحرين وأمّر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما انصرف تعرضوا له، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم ثم قال: (أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء) ؟. قالوا: أجل، يا رسول الله، قال: (فأبشروا، وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقرَ أخشى عليكم،

(1) رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت