كان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا السؤال لذلك الشاب كالصاعقة الأولى التي أحرقت بعضَ عروق حُبِّ الخطيئة لديه؛ فلذلك كان جوابه دالًا على خوفه من ذلك حيث قال: (لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك) . فقال رسول الله عند ذلك: (ولا الناس يحبونه لأمهاتهم) . فكان هذا الجواب هو الكبسولة الأولى.
ومن هنا يقال لمن هو واقع في هذه الخطيئة: ما موقفك لو كان هذا الفعل الشنيع الذي تقارفه يقع من أحد من الناس على أمك؟ فمن انتهك حرمات الناس انتُهكت حرماته، ومن كان بيته من زجاج فلا يرمي أبواب الناس بالحجر، كما قيل.
ويُنسب للإمام الشافعي أنه قال:
عفوا تعفّ نساؤكم في المَحرمِ ... وتجنَّبوا ما لا يليقُ بمسلم
إن الزنا دَينٌ إذا أقرضتهُ ... كان الوفا من أهل بيتِك فاعلم
من يزنِ يُزنَ به ولو بجدارِه ... إن كنتَ يا هذا لبيبًا فافهم
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم واترَ عليه ذِكرَ محارمه: بنته، وأخته، وخالته وعمته. فذكر له رسول الله صلى عليه وسلم هذه المحارم وهو يجيب بذلك الجواب الذي ينفي حبه وقوعَ ذلك على محارمه، حتى تقطعت عروق حب الخطيئة من قلبه عرقًا عرقًا، ورسول الله عليه الصلاة والسلام يعظه بواعظٍ من الغيرة المرتّب ابتداء بالأم ثم البنت ثم الأخت ثم العمة ثم الخالة. وهذا الترتيب مقصود، فأشد ما يغار الإنسان على أمه ثم بنته ثم أخته ثم عمته ثم خالته.
لقد استخدم نبينا عليه الصلاة والسلام الإقناعَ العقلي في علاج هذه المشكلة حتى انتفع به ذلك الشاب. وهذا أسلوب مناسب يُستفاد منه في علاج مشكلات الشهوات، ومشكلات الشبهات.
أيها المسلمون، إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان حكيمًا في حلّ المعضلات وإيجاد الحلول الكافية الشافية لها، حتى يكفي ويُرضي ويغني عن غيره. فعن أبي هريرة رضي الله قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت يا رسول الله، قال: (وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهريين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا؟ قال: لا، قال: ثم جلس، فأُتي النبي صلى الله عليه وسلم بِعَرَقٍ فيه تمر فقال: تصدق بهذا، قال: أعلى أفقر منا؟! فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: اذهب فأطعمه أهلك) [1] . فانظروا وتأملوا، كيف جاء هذا الرجل المذنب خائفًا حزينًا فقيرًا، وكيف رجع فرحًا مسرورًا عنده قوته وقوت أهله!
(1) متفق عليه.