فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 309

وهذا مثال آخر يدل على حكمة نبينا صلى الله عليه وسلم في مداوة الأخطاء وكسبِ القلوب والتأثير على النفوس، جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه مه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزرموه، دعوه، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل، والصلاة، وقراءة القرآن، قال: فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه) وفي رواية للبخاري: فقال الأعرابي -وهو في الصلاة-: اللهم ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا. فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: (لقد حجَّرت واسعا) يعني: ضيّقت رحمة الله.

وهذا مثال كذلك جاء في الصحيحين أيضًا: أن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: (يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى) . قال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا. فكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيمًا إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئًا فقال عمر: إني أشهدكم -يا معشر المسلمين- على حكيم أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه. فلم يرزأ حكيم أحدًا من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي. هكذا داوى رسول الله وهكذا ربّى أصحابه.

أيها الإخوة الفضلاء، أما العلاج الثاني الذي استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع هذا الشاب فهو أنْ وضعَ يده الشريفة عليه ودعا له فقال: (اللهم اغفر ذنبه، وطهّر قلبه، وحصن فرجه) .

فقد دعا له عليه الصلاة والسلام ثلاث دعوات جامعات نافعات، الدعوة الأولى: (اللهم اغفر ذنبه) وهذه دعوة بفتح صفحة جديدة تبدأ بالعفاف والطهر ومحو خطيئات الماضي.

والدعوة الثانية: (وطهر قلبه) وهذه دعوة بتصفية منطلق الخطيئة، فحب المعصية ينشأ في القلب، وهذا الحب لها قذرٌ ونجاسة، والقلب هو المحرك للجوارح، فإذا طُهِّر القلب من حب الذنب انكفّت الجوارح عن مقارفته.

وأما الدعوة الثالثة فهي: (وحصّن فرجه) تنتظم هذه الدعوةُ الأخيرة الخطَّ الأخير إلى ورود المعصية، وهي عملية إيقاف عن امتطاء الخطيئة يسمّى بالتحصين، وتحصين الفرج وكبح جماحه يكون إما بالكف عن الحرام بمانع العفة والنزاهة والصبر عن المقارفة؛ مراقبةً لله تعالى، قال تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:33] .

وقال-بعد أن ذكر جواز حل الزواج بالإماء المؤمنات العفيفات لمن عجز عن مهور الحرائر، ولمِا يترتب على الزواج بالإماء من الآثار السيئة على الأولاد في المستقبل: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النساء:25] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت