وإما أن تكون الدعوة بالتحصين بأن يسهل الله الزواج بزوجة تكفيه عن الحرام، والله أعلم.
وهذه الدعوة دعوة نافعة عظيمة لمن بُلي بالفاحشة، فيدعو بها لنفسه بصدق وإخلاص، فإن صدق وأخلص فسيجد-إن شاء الله- أثرها عليه. وكذلك يدعو بها المسلم لغيره من المسلمين ممن يقترفها، ويدعو بها المفتي والمستشار الأسري لمن شكا إليهما سيطرةَ هذه المعصية عليه؛ فلعل الله أن يستجيب فيه ما دعوا له.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، أما بعد،
أيها المسلمون، في هذه القصة درس عظيم ذو أهمية كبيرة نُفيده منها ألا وهو: الرحمة بأهل المعاصي، والحرصُ على انتشالهم من أوحال الخطيئة بالأساليب الحسنة المؤثرة.
فإن الإنسان العاصي-خاصة في معصية الفاحشة- إنسان ضعيف استطاع الشيطان أن ينتصر عليه، وقدرت نفسه الأمارة بالسوء أن تغلبه وتستحكم عليه، ولم يكن لديه من دروع الحماية والحصانة ما يكفي لصدّ دعوة الخطيئة، فصار عند ذلك ضحية لذلك الشر المحدق به. وغالبًا أن المسلم الذي تبقَّى في نفسه خير يحس بالألم، ويشعر بالذنب، ويكتوي بالكرب، ويعاني غمًا وهمًا كبيرين، ويجد في نفسه أنه كالغريق في بحر عميق ينتظر قواربَ النجاة وأطواق الإنقاذ، وأيدي المنجدين يتشبث بها ليخرج من مهلكته. فهذا الإنسان أهلٌ لأن يُرحم، فيُساعَد على الخروج من مستنقعه الآسن. فلتُسرع إليه خُطى المنقذين ولا يسلموه للشيطان والهوى، وإن جاء تائبًا فينبغي أن يُستقبل بالحنو والعطف والرأفة حتى يشعر بأنه يلامس كفًّا حانية، وقلوبًا عليه حريصة، تريد له الخير والسعادة. ولا يجوز أن يقابل بالسخرية والتقنيط، والإزراء والشتيمة؛ فييأسَ من رحمة الله، ويكره العفاف وأهله، فيرجع إلى خطيئته وأهلها محبًا متمسكًا.
فانظروا-رحمكم الله- كيف أنقذ رسولُ الله عليه الصلاة والسلام هذا الشاب، وكيف أعتقه من رِبقة الهوى، وكيف حرّره من أسر الشيطان، وكيف نصره على نفسه الأمارة بالسوء، وكيف خلّصه من بوتقة المعصية وعَذابها إلى رحابة الطاعة وعُذوبتها.
هكذا تصنع الأخلاق العالية، وهكذا تعمل الرحمة، وهكذا يداوي الطبيب الأسوة، قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4] ، وقال: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ