ثالثًا: الخصومة التي حكتها الآيات خصومة حقيقية، وادعاء أنهما ملكان ليس عليه دليل، والأصل حمل الأشياء على حقيقتها حتى يقوم دليل صحيح ينفي الحقيقة.
رابعًا: ومثل ذلك يقال في معنى النعجة، فالمعنى الحقيقي لها معروف أنه في الغنم، وصرفه إلى المرأة معنى مجازي لم يقم عليه دليل، والقاعدة المطردة حمل الشيء على حقيقته حتى يقوم دليل على إرادة المجاز.
خامسًا: أن سبب فزع داود عليه السلام هو مجيئهما من غير الباب، فظن أنهما أرادا به سوء حينما تسوّرا المحراب، والله أعلم.
سادسًا: القول بأن ذنب داود عليه السلام هو سماعه من الخصم الأول دون سماع الثاني غير صحيح؛ فإن هذا يطعن في عدل أي قاضٍ فكيف بداود عليه السلام الذي أثنى الله عليه بالعدل وحسن القضاء.
سابعًا: لم يذكر الله تعالى ما هو ذنب داود عليه السلام الذي استغفر منه؛ لذلك لا داعي للخوض في الحدس والظنون للبحث عن ذلك، وتحميلِ الآيات ما لا تحتمل. والتوبة ليست مقصورة على التوبة من الذنب، بل التوبة قد تكون من البعد عن ذكر الله مدة من الزمن كما يقول الخارج من الخلاء: (غفرانك) ، وقد تكون التوبة من التقصير في الطاعة، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين [1] . قال بعض المفسرين:"وهذا الذنب الذي صدر من داود عليه السلام لم يذكره اللّه؛ لعدم الحاجة إلى ذكره، فالتعرض له من باب التكلف، وإنما الفائدة ما قصه اللّه علينا من لطفه به وتوبته وإنابته، وأنه ارتفع محله، فكان بعد التوبة أحسن منه قبلها" [2] .
أيها المسلمون، والقصة الثانية في قوله تعالى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء:78 - 79] .
تحكي هاتان الآيتان خبر حادثة عدَتْ فيها غنمُ أحد الخصمين في الليل على زرع الخصم الآخر فاحتكما إلى داود عليه السلام، فكان حكم داود: أن تدفع الغنم إلى صاحب الزرع؛ لسبب اقتضى عنده ترجيح ذلك، ولعل السبب أن ثمن تلك الغنم يساوي ثمن ما أتلفت من الحرث، فكان ذلك حكمًا عادلًا في تعويض ما أتلف، وأما حكم سليمان عليه السلام فكان أن رأى أن تدفع الغنم لأصحاب الحرث مدة عام كامل كي ينتفعوا من ألبانها وأصوافها ونسلها ويدفع الحرث إلى أصحاب الغنم؛ ليقوموا بإصلاحه، فإذا كمل الحرث ورجع إلى حالته الأولى عاد إلى كل فريق مالُه، فرجع
(1) ينظر: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، لأبي شهبة (ص: 341) .
(2) تفسير السعدي (ص: 711) .