فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 309

داود إلى حكم سليمان ابنه؛ لأنه أرفق بالخصمين، وإن كان قضاء داود صحيحًا؛ إذ الأصل في الغرم أن يكون تعويضًا ناجزًا؛ ولذلك أثنى الله عليهما فقال: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء:79] . [1] .

عباد الله، وهناك قصة ثالثة في قضاء داود عليه السلام قريبة من القصة السابقة لم تذكر في القرآن، وإنما ثبتت في السنة، فقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينما امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنتِ، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا، يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى) .

قال العلماء: يحتمل أن داود عليه السلام قضى به للكبرى؛ لشبه رآه فيها، أو أنه كان في شريعته الترجيح بالكبير، أو لكونه كان في يدها، وكان ذلك مرجحًا في شرعه. وأما سليمان فتوصل بطريق من الحيلة والملاطفة إلى معرفة باطن القضية، فأوهمهما أنه يريد قطعه؛ ليعرف من يشق عليها قطعُه فتكون هي أمَّه، فلما أرادت الكبرى قطعه عرف أنها ليست أمه، فلما قالت الصغرى ما قالت عرف أنها أمه، ولم يكن مراده أنه يقطعه حقيقة، وإنما أراد اختبار شفقتهما؛ لتتميز له الأم، فلما تميزت بما ذكرت عرفها، ولعله استقر الكبرى فأقرت بعد ذلك به للصغرى، فحكم للصغرى بالإقرار لا بمجرد الشفقة المذكورة [2] .

وأما عن سبب نقض سليمان لحكم أبيه عليهما السلام، فقد قيل: إن داود لم يجزم، أو أن كلامه في القضية فتوى لا حكم، أو لعله كان في شرعهم نسخُ الحكم إذا رفعه الخصم إلى حاكم آخر يرى خلافه [3] ، والله أعلم.

أيها الأحبة الفضلاء، إن نبي الله داود عليه السلام لم يُلهه ملكه وحكمه عن الإكثار من عبادة ربه تبارك وتعالى، فقد كانت روحُه المتألقة في سماء الطاعة تزداد رقيًا وصعودًا على أجنحة العبادة ومعارج الخلوة بربه سبحانه وتعالى؛ ولذلك كان ذا عبادة عظيمة، وتزلّف كثير؛ ولهذا أثنى عليه الله تعالى بكثرة التوبة والرجوع إليه، فقال تعالى: {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص:17] .

وأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسن الصيام والصلاة، وأخبر أن خير الصلاة النافلة في الليل صلاتُه، وخير الصيام المستحب صيامه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه) [4] .

(1) ينظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور (17/ 86) .

(2) شرح النووي على مسلم (12/ 18) .

(3) شرح النووي على مسلم (6/ 152) .

(4) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت