وقال لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما الذي كان يديم الصيام: (فصم يومًا، وأفطر يومًا، وذلك صيام داود، وهو أفضل الصيام) . قلت: إني أطيق أفضل منه يا رسول الله، قال: (لا أفضل من ذلك) [1] .
أيها المسلمون، لقد جمع الله لنبيه داود عليه السلام خيري الدنيا والدين، فقد أنعم عليه بنعم كثيرة، قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا} [سبأ:10] .
وذكر ذلك أيضًا ابنه سليمان عليه السلام في معرض التحدث بالنعمة والشكر لله عليها، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} [النمل:15] .
فمن تلك النعم:
أولًا: القوة العلمية، قال تعالى: {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} [البقرة:251] ، وقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا} [النمل:15] .
وهذا العلم يشمل العلم بدين الله، والعلم بتدبير أمر الملك، والعلمَ بمنطق الطير، والعلم بمعرفة تسبيح الجبال معه، والعلم بصناعة الدروع الحصينة الخفيفة على حاملها، قال تعالى: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} [سبأ:10] ، وقال: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ} {وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} [ص:18 - 19] .
ثانيًا: القوة البدنية، وتشمل هذه القوة: القدرةَ العظيمة على صناعة الدروع فكان الحديد في يده كالعجين يتصرف فيه كما يشاء، قال تعالى: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} [سبأ:10] .
وتشمل كذلك: القوةَ العسكرية بقتله جالوت، والقوة على كثرة العبادة من صيام وصلاة وغيرها مع انشغاله بالملك.
ثالثًا: قوة الملك بتسخير الأسباب المادية والمعنوية؛ ليقوى ملكه من كثرة الجنود، وحسن السيرة، والعدل والفصل في الخصومات. قال تعالى: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} [ص:20] .
رابعًا: الإصابة في القول والفهم في القضاء، قال تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ص:20] .
خامسًا: المنزلة العالية عند الله تعالى، قال تعالى: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص:25] .
(1) متفق عليه.