أما العبر والدروس من أخلاق هذه الشخصية الكريمة وعملها، فمنها: بيان كرم هذا الرجل الصالح وحسن شمائله حيث أكرم موسى عليه السلام وكافأه على فعل الخير لبنتيه، والإنسان الكريم إذا أحسن إليه كافأ المحسن على إحسانه، وقد أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فقال: (ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه) [1] .
ومن العبر في خبر هذه الشخصية: أن الله تعالى يهيئ لعباده الصالحين من يقضي حوائجهم، ويعينهم في إصلاح أحوالهم، فقد هيأ الله لصاحب مدين موسى ليسقي له الغنم، وهيأ لموسى صاحب مدين ليجد عنده الملاذ الآمن والعيش الصالح.
عباد الله، ومن الدروس كذلك: بيان حرص الأب على بناته؛ فقد سأل هذا الشيخ بنتيه عن شأنهما حينما تقدما في المجيء ومن عادتهما التأخر؛ سألهما خشية أن يكونا قد زاحما الرعاة أو حصل شيء آخر. وهذا فيه درس نافع للآباء والأمهات في تتبع أخبار الأبناء والبنات ومتابعة أحوالهم، وأن لا يتركوا دون سؤال لكن من غير إفراط يفضي إلى نتائج عكسية.
ومن العبر كذلك: أن موسى عليه السلام عندما جاء هذا الرجل خائفًا طمأنه وأمّنه وشهد على أعدائه: فرعون وملئه بالظلم. فمن هذا يستحب للمسلم إذا جاءه مظلوم خائف أن يؤمنه ويسعى لإزالة خوفه ما استطاع؛ فإن ذلك من جلائل الأعمال، خاصة في هذا العصر الذي نرى فيه كثرة النازحين من ظلم الظالمين.
ومن الدروس كذلك: مشروعية عرض الرجل ابنته على من يتوسم فيه الصلاح في دينه ودنياه، وأن ذلك لا يعد عيبًا ولا منقصة، بل هو مدح وكمال وخير يقدمه الأب لبناته؛ فقد فعله خيار عباد الله، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: إن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه سلم قد شهد بدرًا توفي بالمدينة، قال عمر: فلقيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، قال: سأنظر في أمري، فلبث ليالي فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا. قال عمر: فلقيت أبا بكر فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئًا فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك؟ قلت: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت إلا أني قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها لقبلتها) [2] .
(1) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان، وهو صحيح.
(2) رواه البخاري.