أيها الأحبة الفضلاء، وأما الطب التجريبي فقد اهتم به البشر على اختلاف عصورهم وأديانهم وأوطانهم اهتمامًا كبيرًا؛ وذلك لحاجتهم الضرورية إليه. وقد ظلوا في تطور مستمر حتى عصرنا وهم يكتشفون يومًا بعد يوم علاجًا جديدًا، وتطويرًا لعلاج قديم، وتصحيحًا لخطأ طبي سابق.
ولأجل هذا تعلموا هذا العلم، وصنعوا الأدوية، وفي عصرنا أُنشئت الجامعات والكليات والمعاهد؛ لتخريج الأطباء ومساعديهم، وقامت شركات التصنيع الدوائي.
وقد كان للمسلمين دور بارز في هذا العلم؛ فما زالت الدراسات الطبية الحديثة تعتمد على ما خلفه الأطباء المسلمون السالفون من نظريات وأدوية وآلات طبية. ولكن الحقيقة تقول: إن مقود هذا العلم بيد غير المسلمين إلى اليوم في جميع المجالات الطبية.
أيها الإخوة الكرام، ما مضى حديث يسير عن الطب، وأما رَبُّ هذا الفن فهو الطبيب، ذلك الرجل العظيم الذي علّمه الله تعالى هذا العلم الشريف؛ ليحفظ به أجسادنا، ويخفف به من آلامنا.
والذي يهمنا من هذا هو الحديث عن أخينا الطبيب المسلم الذي ينبغي له أن يستشعر عِظم منّة الله تعالى عليه بهذا العلم الذي يقدم به مصلحة عظيمة لإخوانه المسلمين، فكم يفرج الله به من كربة، ويسكِّن به من ألم، ويطفئ به من وجع، حتى يعيد بفضل الله إلى الجسم نشاطه؛ ليعبد الله تعالى، ويقوم بمصالح دنياه.
فعلى الطبيب: أن يشكر الله على هذه النعمة وينوي بها التقرب إليه، ويحتسب عمله الطبي عبادة من العبادات. وعليه أن يكون أمينًا في عمله، فلا يغش مرضاه، أمينًا على أسرارهم الجسدية فلا يفشيها، وأن يكون حسن الأخلاق مع مرضاه، رفيقًا بهم، صابرًا عليهم، ناصحًا أمينًا لهم.
وأن يكون: متقنًا لعمله وتخصصه حتى لا يخطئ في وصف حالة المريض، وفي نعت الدواء له. وأن يبقى على اطلاع مستمر على الأبحاث الطبية المستجدة، والأدوية الحديثة، فيكثر من القراءة والبحث في مجال تخصصه؛ لأن الطب في تطور دائم. وعليه كذلك: أن لا يقحم نفسه فيما لا يعرف؛ فليس كل طبيب يداوي كل مرض، بل عليه أن يبقى في تخصصه وما يحسنه فيه، ولا يتجاوز ذلك إلى تخصص غيره.
والطبيب المسلم يعتقد أن الشافي هو الله تعالى وحده، وليس الشفاء بيده هو، وهذا يورثه الاستعانة بالله دائمًا؛ طلبًا للتوفيق، ويجعله كذلك متواضعًا غير متكبر على الناس بمهنته.
ومن الأمور المهمة التي ينبغي أن تتوفر في الطبيب المسلم: أن يكون عنده فقه شرعي في مجاله الطبي؛ حتى يعلم الحلال من الحرام في عمله، ومن ذلك: أن تكون عنده معرفة شرعية بأحكام الطهارة والصلاة والصيام والموت، والنظر والجنايات والجراح، وغير ذلك.
وهذا الفقه الشرعي لا يُدرس في الكليات الطبية، وللأسف، مع أن بعضه قد يكون من الواجب على الطبيب المسلم معرفتُه؛ فلذلك عليه أن يحصل هذه المعرفة الشرعية بالدراسة أو القراءة أو البحث والسؤال لأهل العلم.