العيد يقول للأمة-وهي تلبس الجديد، وتتعطر بالطيب-: أن تلبس على ذلك لباسَ الأخلاق الحسنة الصادقة على الوجوه والأعمال، فما أحسن الأمة بخصالها الفاضلة، وحبها المبثوث بينها، أخلاق حسنة كلباسها الحسن، وسمعة طيبة كرائحتها الطيبة.
أيها الأحبة الفضلاء، إن عيد الفطر هو أول اختبار للفائزين في رمضان: هل يواصلون السير على طريق الجد، بعد أن قضوا أيام رمضان ولياليه في المسابقة إلى الخيرات؛ لأن رمضان كان دورة تدريبية يتزود منها المتزودون لإصلاح العمل بعد رمضان، وذلك حينما ذاقوا حلاوة الطاعة، ونعيم الانعتاق عن كثرة الخطيئة.
فليس من الشكر لله تعالى على نعمة رمضان وبلوغ عيد الفطر: أن يعود المسلم إلى ما ألف من المعاصي قبل رمضان، وأن يترك ما تعوّد من الطاعات أثناء رمضان، وليس من شكر هذه النعمة: أن تهجر المسجد-أيها المسلم- بدخول العيد لتصلي في البيت، أو تترك قراءة القرآن بعد الأوقات السعيدة التي قضيتها معه في رمضان.
وليس من تمام النعمة: أن تفارق القيام، وتفتر عن كثرة الدعاء والتضرع.
فاستمر على خير رمضان ما استطعت، وإياك أن تصاحب الخطايا، وتميل إلى مجالسها، وتعاشر أهلها، فالمسلم المسابق في رمضان قد صار حرًا طليقًا من قيود الشهوات ورقها وهو كذلك ما دام عليه بعد رمضان وإلا عاد إلى الأسر والرق.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، ولله الحمد.
أيها المسلمون، لقد شرع الله تعالى زكاة الفطر طهرة للصائم في رمضان من اللغو والرفث، وطعمةً للمساكين، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأدائها قبل مجيء هذه الصلاة: صلاة العيد، فمن أداها قبل أداء هذه الصلاة فقد قام بما أوجب الله عليه، ومن لم يؤدها -وهو غير معذور على تأخيرها- فقد خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعليه أن يتوب إلى الله تعالى من هذه المعصية، كما عليه أن يؤديها اليوم قبل أن تغرب شمسه، ولا تسقط عنه بهذا التأخير.