فهرس الكتاب

الصفحة 294 من 309

فنحن المسلمين-على اختلاف تخصصاتنا- نحتاج إلى ذلك، فالحاكم والعالم، والعسكري والتربوي، والاقتصادي والاجتماعي، وغيرهم؛ لابد أن يكون عند هؤلاء قراءة تاريخية واعية في تاريخ البشرية، والتجارب الإنسانية للاستفادة منها في التوجيه والعمل فيما يصلح أحوال المسلمين.

كما نحتاج إلى ذلك في علاج ظاهرة الاختلاف المتأجج بين المسلمين، فمن اعتبر سيجد أن الاختلاف شر؛ لما له الآثار السيئة، وأن الاجتماع خير؛ لما له من الآثار الحسنة.

قال الطغرائي:

كونوا جميعًا يا بَنيَّ إذا اعترى ... خَطبٌ ولا تتفرّقوا آحادا

تأبى العِصيُّ إذا اجتمعنَ تكسُرًا ... وإذا افترقنَ تكسَّرتْ أفرادا

كما نحتاج إلى ذلك أيضًا في علاج ظاهرة الظلم-العام أو الخاص-، فمن الظلم: منع حقوق الناس، أو الاستيلاء عليها بغير حق، وقلة الإنصاف أو عدمه في الحكم على الآخرين-أفرادًا وتجمعات-، فمن اعتبر: سيكف عن ظلمه؛ لأن الظلم يعجل العقوبة.

يذكر أن يحيى بن خالد البرمكي-أحد وزراء بني العباس-وقال له بعض بنيه وهم في السجن والقيود: يا أبتِ، بعد الأمر والنهي والنعمة صرنا إلى هذا الحال؟! فقال: يا بني، دعوةُ مظلوم سَرتْ بليل ونحن عنها غافلون، ولم يغفل الله عنها، ثم أنشأ يقول:

رُبَّ قومٍ قدْ غدوا في نعمةٍ ... زمنًا والدهرُ ريَّانٌ غَدقْ

سكتَ الدهرُ زمانًا عنهمُ ... ثم أبكاهمْ دمًا حينَ نَطق [1] !

كما نحتاج إلى ذلك كذلك: في معرفة واقع العدو الحقيقي، ومكره وخططه، وحقده وعمله على حرب الإسلام وأهله، فمن اعتبر: سيجد أنه مهما استرضى ذلك العدو فلن ينال رضاه، بل سيكون واحدًا من ضحاياه، وإن تأخر دوره، قال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} [البقرة:120] .

وأن العز في الدين والدنيا هو في معاملة أولئك الأعداء حسب منهج الله تعالى.

(1) البداية والنهاية (10/ 205) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت