جموعًا، وإنهم آتون بها لاستئصال شأفتهم وإبادة خضرائهم، مع ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من الجراح الحسية والمعنوية عقب أحد.
فلما وصل ذلك الوعيد إلى رسول الله والمسلمين واجه قلوبًا تمكّن فيها التوكل والإيمان، وفارقها الخوف والأحزان، فاستعد المسلمون وخرجوا لمقابلة جمع المشركين في حمراء الأسد، فلما علم المشركون بخروج المسلمين للقائهم قُذف في قلوب المشركين الرعب فما جرأوا على اللقاء، مكتفين بما حققوه من مكاسب في غزوة أحد، وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزًا.
قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران:173 - 174] .
وكذلك المسلمون اليوم لو بلغوا درجة الإيمان البلوغَ الجمعي، وتوكلوا على الله حق توكله لما أحزنهم وعيد الكافرين المحاربين، ولا أغمهم تهديد الظالمين؛ لكونهم غيرَ ضعفاء ولا عاجزين ما داموا مؤمنين متوكلين.
عباد الله، قد يعجب الإنسان من إصرار الكافرين على كفرهم، وشدة جَلَدهم في حرب الإسلام والمسلمين، بل ومسارعتهم إلى حرب الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، مع أن دلائل الحق تلوح لهم في الآفاق ببطلان ما هم عليه. فهذه الأحوال قد تجعل بعض المسلمين يحزن، فجاء الخطاب من الله في هذه السورة سورة آل عمران للنبي صلى الله عليه وسلم -والخطاب له ولأمته- بأن لا يحزن؛ فإن الكافرين لن يضروا الله شيئًا، وإن تمتعوا بمتاع الدنيا القليل فسيعقبه عذاب الآخرة الطويل، فقال تعالى: {وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران:176] .
أيها الأحبة الكرام، إن المسلم ليحزن حينما يرى الكفار المحاربين مازالوا يرتكبون في المسلمين المجازر تلو المجازر، ومازال حلم الله تعالى مسبَلًا عليهم، وما أنزل بهم غضبه وعقوبته العاجلة، فيتساءل: متى نصر الله للمظلومين؟
فنقول: رويدًا رويدًا: إنه ليس هناك قوة وقدرة تقف أمام قوة الله وقدرته، وليس هناك أحد أرحم من الله تعالى بالمظلومين، وليس هناك أحد أعلم من الله بعواقب الأمور ومآلاتها، وليس هناك حاكم أعدل من الله تبارك وتعالى.
فليذهب حزنك -أيها الحزين- بعلمك بأن الله أقوى من كل قوي، وأقدر من كل قادر، وأرحم من كل راحم، وأعلم من كل عالم، وأعدل من كل حاكم.