لقد خلق الله تعالى في الرجل ميلًا فطريًا إلى المرأة، وخلق كذلك في المرأة الميل إلى الرجل؛ لأن هذا الانجذاب سبب لإقامة الأسرة التي يقوم عليها المجتمع وتستمر بها الحياة. والحياة الزوجية إذا كانت محاطة بالحب ألفى فيها الزوجُ راحتَه من العناء، وأُنسه من الوحشة حتى يذوق طعم الحياة، وكذلك تجد فيها الزوجة سعادتها وأنسها وعزها. فالحياة الزوجية بستان لا يزدهي ولا يطيب إلا بسقيه بماء الحب، فإن جفّ عنه ذلك الماء صار قائمه إلى ذبول، وذهب نجمه إلى أفول. لكن ذلك لا يعني أن تسلم الحياة من المكدرات والمشكلات، فحرارة الحب الزوجي ستمرُّ بها رياح التغيير فتطفئ بعض وهجها ولابد، روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه جاءه رجل يريد تطليق امرأته، فلما سأله عمر عن سبب ذلك: فقال: إنه لا يحبها، فردَّ عليه عمر رضي الله عنه:"وهل لا تُبنى البيوت إلا على الحب؟!"، وقال عمر رضي الله عنه - أيضًا - لامرأة سألها زوجُها: هل تبغضه؟ فقالت: نعم، فقال لها عمر:"فلتكذبْ إحداكن، ولتجمل، فليس كل البيوت تُبنى على الحب، ولكن معاشرة على الأحساب، والإسلام".
فالخلافات، وتعقّد العلاقات أمر وارد على الحياة الزوجية، غير أن هذه المكدرات كالجدب الذي لا يدوم إذا عاد إلى الروض الزوجي وابلُ الحب، وعولجت المشكلات علاجًا صحيحًا ورجع الزوجان إلى الشرع والعقل. متذكرينِ رباط الزوجية الوثيق، وودهما القديم العميق، والعلاقة الطاهرة التي لا تنسى فيها أيام الحب.
قلِّبْ فؤادَك حيث شئتَ من الهوى ... ما الحبُّ إلا للحبيب الأول
كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدًا لأولِ منزل
أيها المسلمون، ومن مجالات الحب المحمود: حب الأولاد الذين هم ثمرة الفؤاد، وفلذات الأكباد، وزينة الحياة الدنيا، قال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ... } [الكهف:46] .
فللأولاد نصيبٌ من حب الوالدين، وحظ من حنانهما عليهم؛ لأن ذلك يساعد على نموهم العقلي والجسمي والنفسي والعاطفي. وأي بيت لا يجد فيه الأولاد طعم الحب والعطف فإن ذلك يربي في نفوسهم الكراهية والعُقد النفسية، والميل إلى الانتقام، وربما لَعقوا رُضابَ الحب والغرام من أفواه الحرام.
فما أحسنَ الحب للأولاد إذا خلط ببلسم الحزم والتربية الحسنة.
فقسا ليزدجروا ومن يكُ راحمًا ... فليقسُ أحيانًا على من يَرحم
قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروا إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: