ومن الآداب كذلك: استغلال الوقت في قضاء الحاجات الدينية والدنيوية التي سافر المسافر لأجلها، والبعد عن تضييع الوقت بما لا يعود على المسافر بالنفع، أما إذا كان المسافر من أهل العلم الديني أو الدنيوي فليجعل من وقته-إن استطاع- ما يدّون فيه من مسائل العلم، أو يقرأ ما تيسر له قراءته من كتبه؛ فقد كان بعض العلماء يقضون في أسفارهم وقتًا للقراءة والتدوين؛ فابن القيم رحمه الله ألّف كتابه العظيم"زاد المعاد في هدي خير العباد"في سفرةٍ من أسفاره، وابن حجر رحمه الله ألف متن"نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر"في إحدى سفراته، قال ابن الأمير الصنعاني في منظومته"قصب السكر نظم نخبة الفكر":
وبعدُ فالنخبةُ في عِلمِ الأثرْ ... مختصرٌ يا حبذا مِن مختصرْ
ألّفها الحافظُ في حالِ السفرْ ... وهْو الشهابُ ابنُ علي بنِ حجر
أيها الإخوة الأكارم، فإذا قضى المسافر حاجاته في سفره، وحصّل ما قطع المسافات لأجله فهناك آداب يتحلى بها، فمنها: أن يعجل العودة إلى أهله ووطنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته من وجهه فليعجل إلى أهله) [1] .
ومن الآداب: أن يُعلم أهله برجوعه؛ حتى يستعدوا لاستقباله، وتهيئة الأحوال التي ترضيه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قدم أحدكم ليلًا فلا يأتين أهله طروقًا؛ حتى تستحد المغيبة، وتمتشط الشعثة) [2] ، ووسائل الاتصال الحديثة قد سهلّت حصول هذا الأدب.
ومن الآداب: أن يأتي المسافر العائد بدعاء السفر عند رجوعه، ويزيد فيه: (آيبون، عابدون، لربنا حامدون) .
ومن الآداب: أنه يستحب له أن يبتدأ بالمسجد الذي بجوار منزله فيصلي فيه ركعتين، فعن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: (وكان-يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم- إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين) [3] .
ومن الآداب أيضًا: أن من كان قادرًا يستحب له أن يصنع مأدبة طعام يدعو إليها الأقارب والجيران وغيرهم، وتسمى هذه الوليمة بالنقيعة، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة نحر جزورًا أو بقرة) [4] .
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
(1) متفق عليه.
(2) متفق عليه.
(3) متفق عليه.
(4) رواه البخاري.