فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 309

الخطبة الثانية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد،

عباد الله، إن الإسلام قد أولى السفر عناية خاصة ببيان آدابه وأحكامه، ففي حديث الإسلام عن السفر نجد فيه مظاهر رحمة الله حاضرة في تشريع التيسير والرخص التي تخفف عن المسافر بعض عناء السفر؛ لأن السفر مظنة المشقة البدنية والنفسية غالبًا، وفي تشريع التخفيف في السفر في باب العبادات خاصة الصلاة ملحظٌ مهم وهو أن ديننا الحنيف حريص على أن يبقى المسلم مع العبادة دائمًا في حضره وسفره؛ فلذلك رخص للمسافر تخفيف الصلاة في عدد ركعاتها وفي صفتها، ولم يسقطها كلها عنه، فالحمد لله على نعمة الإسلام حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا، نسأل الله أن يديمها علينا، وأن يميتنا عليها.

أيها المسلمون، من رُخص الشريعة للمسافر: إباحة التيمم، بدلًا عن الماء عند عدمه، أو خوف الضرر من استعماله، وهذا مباح كذلك للمقيم، لكن المسافر قد يكون أكثر من المقيم فيه، خصوصًا في الأزمنة الماضية، قال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة:6] .

وعن عمران بن حصين الخزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا معتزلًا لم يصل في القوم فقال: (يا فلان، ما منعك أن تصلي في القوم؟) . فقال: يا رسول الله، أصابتني جنابة ولا ماء قال: (عليك بالصعيد؛ فإنه يكفيك) [1] .

ومن رخص السفر: أن للمسافر في مدة المسح على الخفين: ثلاثة أيام بلياليها، فعن علي رضي الله عنه قال: (جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم) [2] .

ومن رخص السفر: جواز الجمع والقصر بين الظهر والعصر، والجمع والقصر بين المغرب والعشاء، تقديمًا أو تأخيرًا، قال تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} [النساء:101] ،

وعن يعلي بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} فقد أمن الناس! فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: (صدقة

(1) متفق عليه.

(2) رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت