لقد ترك هذا العلم الكبير- إضافة إلى تعليمه وتدريسه- تراثًا ضخمًا من المصنفات النافعة، تقارب ثلاثمائة مصنف في علوم متعددة، فمن أشهرها: سبل السلام شرح بلوغ المرام، ومنحة الغفار حاشية على ضوء النهار، والعدة حاشية على شرح العمدة، وتطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد، وإجابة السائل شرح بغية الآمل.
أيها الفضلاء الكرام، كانت شخصية ابن الأمير الصنعاني شخصية متميزة بصفات حميدة متعددة، جعلت له مكانة سامية في عصره وبعد عصره، فمنها:
حرصُه على العلم بدين الله تعالى، فقد وقف له عمره منذ نعومة أظفاره إلى أن توفي رحمه الله، ويدل على ذلك: رحلتاه العلميتان: إلى صنعاء، وإلى مكة والمدينة، وما خلفه من مصنفات نافعة.
كما أنه كان مجدًا في التحصيل حتى في الأحوال غير الموافقة فقد ذُكر عنه: أنه كان ينسخ كتابي:"زاد المعاد"و"بهجة المحافل"على ضوء القمر؛ لعدم توفر السرج لديه في ذلك الحين.
ومن صفاته الحميدة رحمه الله: علو همته، وسموق هدفه؛ فقد صرف وقته لطلب العلوم العقلية التي كانت ذائعة الصيت في بلده، وإلى العلوم النقلية-خاصة علم الحديث- التي كان يحاربها التعصب المذهبي والفكري آنذاك.
فبرع في جميع هذه العلوم فدرسها ودرّسها، وألّف فيها، حتى صار له طلبة كثر، تأثروا بطريقه، وأخذِه بالأدلة وتركه التعصب والتقليد جانبًا، وما الشوكاني ومن تلاه من العلماء المتجردين للحق إلا امتداد لمدرسة ابن الأمير العلمية المعتدلة.
ومن صفاته الحميدة: زهده وورعه، فقد كان زاهدًا ورعًا راضيًا من الدنيا بالقليل، غير مستشرف إلى مواطن المتاع الكثير، مع أن المناصب الوظيفية الكبرى كانت تعرض عليه فيأباها؛ خوفًا من التقصير فيها، وبعدًا عنها حتى لا تشغله عن العلم والتعليم.
وقد عرض عليه الإمام المتوكل على الله القاسم بن الحسين تولية القضاء في (المخا) فامتنع، ثم عرض عليه الوزارة فامتنع، ثم القضاء العام فامتنع، وظل في عمله في تدريس العلم.
ومن صفاته الحميدة رحمه الله: إتقانه وأمانته، فقد ولاّه الإمام المهدي العباسُ أوقافَ صنعاء في رمضان سنة (1161 ه) فقام بالوظيفة بقوة وأمانة، حتى اتخذ بيتًا صغيرًا سجنًا لمن يستحق التأديب؛ فرارًا من السجن الكبير بقصر صنعاء؛ خوفًا من زيادة العقوبة على السجناء، ثم ما لبث أن اعتذر عن هذه الوظيفة، وندم على ذلك، وعاد إلى زهده عن الوظائف كما أشرنا سابقًا؛ هروبًا من التقصير، وخوفًا من التلهي عن العلم.