فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 309

إن هذه الوصية التي أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حبيبه معاذًا رضي الله عنه عند سفره هي كوصيته لأبي ذر رضي الله عنه حيث جاء عنه رضي الله عنه أنه قال: قلت: -يا رسول الله- أوصني، قال: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئةَ الحسنةَ تمحها، وخالقِ الناس بخلق حسن) [1] .

أيها الإخوة الأفاضل، ومن وصايا رسولنا صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه أيضًا: أن معاذًا رضي الله عنه قال: يا رسول الله، أوصني، قال: (اعبد الله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، وإن شئت أنبأتك بما هو أملك بك من هذا كله قال: هذا) وأشار بيده إلى لسانه. [2] .

فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذًا رضي الله عنه بمراقبة الله عز وجل؛ لأن مراقبة الله تعالى في السر والعلن تحرس صاحبها من ركوب المعصية، أو التقصير في الطاعة، ومن كان مراقبًا لله جل وعلا في خلوته وجلوته صلح له شأنه في دنياه وآخرته.

كما أوصاه-عليه الصلاة والسلام- بالاستعداد للموت؛ لأن من كان مستعدًا للموت في كل وقت ذهبت عنه سِنَة الغفلة، وأخذ لما بعد الموت الأُهبة، فجهّز زاد النجاة، وملأ حقائب سفره بما ينفعه عند لقاء ربه، وتخلّص من مظالم الخلق وحقوقهم، وظل مشغولَ البال بالرحيل، فإذا ناداه منادي الرحيل أجابه فرحًا مشتاقًا، غيرَ فزِعٍ ولا مشعوف، ولا آبق ولا حزين، وقال: مرحبًا بحبيب جاء على موعد.

وكذلك وصّاه -عليه الصلاة والسلام- بحفظ اللسان عما لا يجوز التفوه به؛ لأن اللسان إذا لم يستقم صار بوابة إلى النار؛ فكم من الذنوب اللسانية التي أوردت صاحبها موارد الهلكة، أما إذا استقام اللسان فإنه يكون بوابة إلى الجنة؛ فكم من الأعمال الصالحة اللسانية التي صيّرت أهلها في الدرجات العلى، بعد أن نالوا رضوان الله تعالى في الدنيا.

قال رسولنا عليه الصلاة والسلام: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامةـ، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة) [3] .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أكثر ما يدخل الناس النار: الفم، والفرج) [4] .

أيها الإخوة الفضلاء، ومن وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحبيبه معاذ رضي الله عنه كذلك: أنه أخذ بيده يومًا ثم قال: (يا معاذ، والله إني لأحبك) ، فقال له معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأنا والله أحبك، قال: (أوصيك -يا معاذ-: لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك) [5] .

(1) رواه أحمد والترمذي، وهو حسن.

(2) رواه ابن أبي الدنيا بإسناد جيد.

(3) رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، وهو صحيح.

(4) رواه الترمذي وابن حبان، وهو حسن.

(5) رواه أبو داود والنسائي وابن حبان، وهو صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت