فرسول الله صلى الله عليه وسلم-من حُبِّه لمعاذ- أوصاه بهذه الوصية العظيمة، لتكون هجِّيراه وعادته المستمرة عقب الصلاة، وهي وصية بملازمة هذا الدعاء إثر طاعة عظيمة هي الصلاة؛ فتكون الدعوة أقرب إلى الإجابة. وهذا الدعاء الموصى به يتضمن معاني عظيمة؛ فإن العبد فقير عاجز، محتاج إلى معونة الله تعالى له في كل أموره، ومن أهمها: الإعانة على فعل المأمورات، ومنها: ذكر الله تعالى الذي يشمل أمورًا كثيرة منها: الصلاة، وتلاوة القرآن، والثناء على الله تعالى بتهليله وتكبيره، وتحميده وتسبيحه، ونحو ذلك.
ومنها أيضًا: شكر الله على نعمه؛ فالإنسان قد يتنعم بنعم الله تعالى دون أن يشكر الله عليها عمدًا أو غفلة، فما أحسن أن يأتي عون الله تعالى للعبد ليدفعه إلى شكر الله تعالى، فإذا رزق الشكر على النعمة فهي نعمة تحتاج إلى شكر أيضًا؛ فلذلك ليكن شكر العبد لله تعالى عبادة لا تنقطع ما بقيت الحياة.
ومنها كذلك: حسن العبادة، فالعبادة لله تعالى شيء عظيم، ولكن أعظم منها: أن تكون هذه العبادة عبادة رافقها الإحسان، فالعبادة الحسنة ما اجتمع فيها الإخلاص لله والمتابعة فيها لرسول الله، وتوفرت فيها شروط العبادة الصحيحة بأن تكون موافقة للشرع في كيفيتها، وجنسها، وقدرها، وسببها، وزمانها ومكانها.
فهذه الأمور العظيمة تحتاج إلى عون الله تعالى للعبد، فما أحسنَ أن تكون للمسلم دعاء مستمرًا عقب الصلاة.
أيها المسلمون، ومن الوصايا العظيمة التي أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جاء في حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو على ناقته الجدعاء، في حجة الوداع- يقول: أوصيكم بالجار، حتى أكثر، فقلت: إنه يورثه) [1] .
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: إن خليلي صلى الله عليه وسلم أوصاني: (إذا طبخت مرقًا فأكثر ماءه، ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منه بمعروف) [2] .
فقد تضمنت هذه الوصية النبوية في هذين الحديثين الشريفين: الأمر بأداء حق عظيم من الحقوق المجتمعية، ألا وهو حق الجار في المنزل أو العمل.
فإن للجار حقوقًا كثيرة على جاره يجمعها: بذل الإحسان إليه قولًا وفعلًا، وكف الأذى عنه قولًا وفعلًا، وحسًا ومعنى.
فالجار من أقرب الناس إلى جاره، ومن أعلم الناس بأخباره وأسراره، وهو أكثر الناس ملازمة للمكان الذي فيه أهله وولده وماله، أو ماله وقوام عيشه؛ فلهذا فهو محتاج إلى دوام الود، وتبادل المعروف معه؛ لأن العيش لا يطيب، والبال لا يستريح مع جار لا تؤمن بوائقه، ولا غوائله.
لأجل هذا جاءت الوصية بإحسان الجوار من الله تعالى حيث قال عز وجل: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء:36] .
(1) رواه الطبراني، وأحمد، وهو صحيح.
(2) رواه مسلم.