فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 528

استقامتها فإنهم حينئذ لم يكونوا يعظمون المشاهد سواء منها ما كان صدقًا أو كذبًا كما حدث فيما بعد؛ لأن الإسلام كان حينئذ في قوته وعنفوانه ولم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم من ذلك شيء في بلاد الإسلام لا في الحجاز ولا اليمن ولا الشام ولا العراق ولا مصر ولا خراسان ولا المغرب ولم يكن قد أحْدِث مشهد لا على قبر نبي ولا صاحب ولا من أهل البيت ولا صالح أصلًا، بل عامة هذه المشاهد محدثه بعد ذلك، وكان ظهورها وانتشارها حين ضعفت خلافة بني العباس وتفرقت الأمة وكثر فيهم الزنادقة والملبسون على المسلمين، وفشت فيهم كلمة أهل البدع وذلك من دولة المقتدر في أواخر المائة الثالثة، فإنه إذ ذاك ظهرت القرامطة العبيدية القداحية بأرض المغرب ثم جاءوا بعد ذلك إلى أرض مصر وقريبًا من ذلك ظهر بنو بويه وكان في كثير منهم زندقة وبدع قوية، وفي دولتهم قويَ بنو القداح بأرض مصر، وفي دولتهم أظهر المشهد المنسوب إلى علي - رضي الله عنه - بناحية النجف، وإلاّ فقبل ذلك لم يكن أحد يقول إن قبر علي هناك وإنما دفن علي - رضي الله عنه - بقصر الإمارة بالكوفة. وإنما ذكروا أن بعضهم حكى عن الرشيد أنه جاء إلى بقعة هناك وجعل يعتذر إلى المدفون فيها، فقالوا إنه علي، وإنه اعتذر إليه مما فعل بولده، فقالوا هذا قبر علي، وقد قال قوم إنه قبر المغيرة بن شعبة والكلام عليه مبسوط في غير هذا الموضع) [1] .

ويؤيد ماقرره شيخ الإسلام مقاتله الإمامان الذهبي وابن كثير، يقول الذهبي في آخر ترجمة عضد الدولة البويهي الذي قال عنه قبل ذلك: (وكان شيعيًا جلدًا أظهر بالنجف قبرًا زعم أنه قبر الإمام علي وبنى عليه المشهد وأقام شعار الرفض ومأتَم عاشوراء والاعتزال) ثم قال: وبه ختم ترجمة عضد الدولة: (قلت: فنحمد الله على العافية فلقد جرى على الإسلام في المائة الرابعة بلاء شديد بالدولة العبيدية بالمغرب، وبالدولة البويهية بالمشرق وبالأعراب القرامطة فالأمر لله تعالى) . [2] .

وقال ابن كثير في حوادث سنة (347 هـ) : (وقد امتلأت البلاد رفضًا وسبًا للصحابة من بني بوية وبني حمدان والفاطميين، وكل ملوك البلاد مصرًا وشامًا وعراقًا وخرا سان وغير ذلك من البلاد كانوا رفضًا وكذلك الحجاز وغيره، وغالب بلاد المغرب، وكثر السب والتكفير منهم للصحابة) [3] .

ويؤيده كذلك ما ذكره السمهودي -رحمه الله -في كتابه (وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى) وهو يتحدث عن قبر فاطمة رضي الله عنها قال: (وإنما أوجب عدم

(1) مجموع الفتاوى (27/ 465 - 467) .

(2) السير (16/ 250 - 252) .

(3) البداية والنهاية (11/ 233) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت