قام الباشا وأتباعه وذهبوا خارجين من الحرم، فلما قاربوا الخروج منه قال لي: أتريد أن أتصرف فيه بأن يرجع فيطوف؟ فبمجرد ذلك رجع هو وأتباعه وطافوا، ثم قال لي: أتريد أن أتصرف في قلب الشريف عبدالمطلب بأن يرجع الخمسة الديواني فتسلك في السوق وتمشي؟ فبمجرد قوله ذلك نادى المنادي بأعلى صوته يقول لكم الشريف عبدالمطلب لايمتنع أحد من الخمسة الديواني). [1]
فانظر إلى هذا الذي إن صدق النقل عنه فهو ساحر كيف يدعي هذه الرتبة من مراتب الأولياء عند الصوفية وأنه يتصرف حتى في قلوب الناس ومقاصدهم ويحملهم على فعل ما يشاء دون اختيار منهم، وكيف يقص هذا العالم القدوة من علماء صوفية حضرموت لأتباعه ومريديه هذه القصة مسلمًا بها مريدًا منهم أن يصدقوها ويعتقدوها، أليس هذا هو التطبيق العملي لعقيدة القوم في القطب الذي مر تعريفه؟
اتضح من تعريف القطب بأنه هو المفوَّض من قبل الله تعالى في التصرف في الكون، وربما أطلقوا على مرتبة القطبية (الخلافة العظمى) [2] ، والمعنى: أن يكون القطب خليفة الله تعالى في تصريف الكون.
ولمعرفة ما يشمله ذلك التفويض لدى القوم نذكر بعض النصوص من كتبهم تبين سعة ذلك التفويض وشموليته من حيث الزمان والمكان ومن حيث الدنيا والآخرة.
نقل السيد علي بن محمد الحبشي [3] -أحد أقطاب حضرموت- على سبيل الإقرار والاستحسان عن عبدالعزيز الدباغ قوله: (إن تصرفي يصل حتى إلى الجنان، وإن الحور ما يفعلن شيئًا إلا بأمر مني) ،
(1) تذكير الناس ص (216)
(2) أنظر مظاهر الانحرافات العقدية عند الصوفية (2/ 619) .
(3) علي بن محمد الحبشي العلوي الحضرمي صاحب سيؤن ومنشئ رباط العلم بها المسمى باسمه"رباط الحبشي"من أشهر علماء زمانه ومربي جيله تتلمذ عليه الكثير من الطلاب الذين نبغوا وأصبحوا من العلماء والأدباء غير أنه مع علمه قد نقل عنه من الخرافات والهذيان مالا مزيد عليه وذلك ما حواه كتاب كنوز السعادة الأبدية في الأنفاس العلية الحبشية كتبه من إملائه ... تلميذه محسن بن عبد الله السقاف وهو أيضًا صاحب زيارة الحول المشهورة بحضرموت توفي رحمة الله سنة (1312 هـ) انظر تاريخ الشعراء الحضرميين (4/ 128) تأليف المؤرخ عبدالله بن محمد السقاف الناشر مكتبة المعارف الطبعة الثالثة سنة (1418 هـ) الطائف، ولوامع النور (1/ 197) .