ومنها حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى، فقالت عائشة: يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} [1] أن ذلك تام قال: (( إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبة، فَتَوَفَّى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم ) ) [2] .
فهذه الأحاديث الثلاثة صحيحة أسانيدها، صريحة متونها، في أن الأوثان ستعبد في جزيرة العرب، وأن أقوامًا من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - سيلتحقون بالمشركين، ومن باب الإنصاف فإنه يفهم من حديث عائشة رضي الله عنها أن ذلك كائن بعد أن يبعث الله الريح التي تقبض أرواح المؤمنين، ومع تسليمنا بذلك إلا أننا نقول: إنه ليس في الحديث ما يمنع وقوع الشرك وعبادة الأوثان قبل ذلك الريح، وهذا ما سننثبته في المطلب الثاني إن شاء الله.
إن الأحاديث التي أوردنا بعضها في المطلب الأول لَتَردُّ على مَنْ منع عودة الشرك في هذه الأمة، وذلك من ناحيتين:
الناحية الأولى أن هذه الأحاديث دالة قطعًا على أن الحديث الذي يستدلون به (( إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ) ) [3] ليس على عمومه بل هو مخصوص، ومعلوم عند أهل الأصول أن العام الذي قد دخل عليه التخصيص تضعف دلالته بذلك، ولا يكون كالسالم من ذلك الذي لم يتطرق إليه تخصيص، وعلى هذا فإننا نقول إن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر يأس الشيطان مقِرًا له فإن
(1) الصف (9) .
(2) مسلم مع النووي (18/ 33) كتاب الفتن و أشراط الساعة.
(3) تقدم تخريجه ص (72) .