ذلك محمول على حال مخصوص وهو أن تجتمع الأمة على عبادة الأوثان أو نحو ذلك من المعاني والأحوال.
وإن كان مجرد إخبار عن حال الشيطان حين بُهِر بانتشار الإسلام ودخول الناس في دين الله أفواجًا فهذا ليس بدليل أصلًا؛ لأن يأْس الشيطان ليس بحجة على أحد، وهو لا شك مخلوق كسائر الخلق معرض لسوء التقدير وخلف الظن، وطروء سائر ما يطرأ على المخلوقين من أمل وقنوط ويأس واستبشار، ولا يلزم أن يتحقق كل ما يطرأ عليه، وما يأسُه هنا إلا من هذا القبيل، أيِسَ في ذلك الوقت الذي رأى فيه إقبال الخير واندحار الشر، ثم عاد إليه الأمل والرجاء منذ أن أوشك الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الرحيل، وتحقق له شيء مما أمَّلَهُ على يد مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي وأتباعهما من المرتدين في نواحي الجزيرة العربية، وإن كان هذا الحال لم يدمْ طويلًا حيث قضى أبوبكر ومعه سائر الصحابة على تلك الردة، وأعادوا المرتدين إلى حظيرة الإسلام، إلا أن ما حصل كان دليلًا على أن يأس الشيطان لم يكن قاطعًا ولا ثابتًا، بل كان قابلًا للتحول إلى الأمل والرجاء.
الناحية الثانية إن مما يدل على أن ذلك الحديث ليس دالًا على عدم وقوع الشرك في جزيرة العرب هو وقوعه بالفعل وإليك نماذج من ذلك الوقوع:
النموذج الأول الردة الواقعة عند وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي معلومة لدى الجميع امتلأت بها كتب السير والتواريخ وكتب السنة والحديث [1] ، ومجرد الردة يعتبر عبادةً للشيطان على أي صورة كانت، فمجرد الكفر بالله يعتبر عبادة للشيطان، لأنه استجابة وطاعة للشيطان وتلك هي العبادة بعينها.
ومع ذلك فقد صرح العلماء برجوع طوائف من العرب إلى عبادة الأوثان.
(1) وقد أورد ابن كثير أخبار الردة وقتال المرتدين بإسهاب في تاريخه (6/ 311 - 332) .