فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 528

الصوفية، فعاد إلى شيخه وهو كذلك فغضب عليه شيخه وزجره وظل مقاطعًا له حتى مات"رحمه الله"، ثم ذهب إلى قيدون فلقي الشيخ"سعيد بن عيسى العمودي"المتوفى سنة (671 هـ) فحكّمه كذلك وأدخله في عداد الصوفية، ولقي في دوعن كذلك"باعمر"صاحب عُورَة وألحقه بالجماعة، ثم توجه إلى ميفعة ولقي الشيخ عبدالله باحمران فحكّمه كذلك وألحقه بهم، واستقر في ميفعة حتى مات، وعند موته قسم تركته بين تلاميذه وأشار إليهم بأن هناك علامة على من يكون شيخهم وهو أن يقع من نصيبه السبحة فوقعت من نصيب الفقيه المقدم، وبذلك أصبح شيخ صوفية حضرموت وشيخ الطريقة المدينية بها، وعند وفاته نصّب زوجته أم المساكين في منصب شيخ الصوفية بحضرموت [1] .

(1) انظر: قصة إرسال أبي مدين إلى حضرموت في (الجوهر الشفاف في ذكر فضائل ومناقب وكرامات السادة الأشراف) تأليف عبد الرحمن الخطيب الأنصاري وهو مخطوط، ولدي نسخة مصورة منه (1/ 81 - 82) في الحكاية السابعة والعشرين وفي المشرع الروي (2/ 4 - 5) ،وحتى لا يظن أحدٌ أنني بالغت في تعبيري أو طعنت في (عبد الله الصالح المغربي - ومرسله أبي مدين - أو في الفقيه المقدم) ، أسوق قصتهم بحروفها من الجوهر الشفاف لعبدالرحمن الخطيب حيث قال: (الحكاية السابعة والعشرون: روى المشايخ - رضي الله عنهم - أنه قيل لشيخ شيوخنا الشيخ الفقيه محمد بن علي - رضي الله عنهم:إنه لا يفك قفل قلبك إلا الشيخ عبدالرحمن المقعد، وكان الشيخ عبدالرحمن المقعد - رضي الله عنهم - إذ ذاك بمكة -حرسها الله تعالى- فسار الفقيه شيخ شيوخنا = ... = قاصدًا نحوه، فلما بلغ أثناء الطريق أخبر بوفاته فرجع إلى بلده، وكان الشيخ عبدالرحمن المذكور - رضي الله عنه - من كبار تلامذة الشيخ الكبير خاص الخواص أبي مدين - رضي الله عنهم -، وكان شيخه أبو مدين - رضي الله عنهم - قد أمره بالسفر إلى حضرموت، وقال له: إن لنا فيها أصحاب سر إليهم وخذ عليهم عقد الحكم ولبس الخرقة أو كما قال، و قال له: ولكنك لاتصل إليهم بل تموت في أثناء الطريق ونرسل إليهم من يأخذ عليهم ذاك، فسار الشيخ عبدالرحمن طالبًا حضرموت، فلما بلغ في أثناء الطريق حضرته الوفاة فأحضر تلميذه الشيخ الكبير العارف بالله تعالى عبدالله الصالح المغربي - و كان من أولاد ملوك المغرب فآثر سلوك هذه الطريقة ففتح له وكان من كبار تلامذته ولهما الكرامات الخارقة والإشارات المفيدة الفائقة - وأمره بالمسير إلى حضرموت وقال له ما قال له الشيخ أبو مدين - رضي الله عنهم -، وفي رواية أنه قال له أيضًا: اذهب إلى حضرموت تجد فيها الفقيه محمد بن علي أبو علوي عند الفقيه علي بن أحمد أبي مروان يستقي يعني يأخذ منه العلم، طارح سلاحه فوق رجليه، فاغمزْه من عند الفقيه وحكّمْه، واذهبْ إلى قيدون تجدْ فيها الشيخ سعيد بن عيسى فحكّمْه، قال الشيخ عبدالله: فلما وصلت إلى تريم وجدت الفقيه محمد بن علي كما قال الشيخ عبدالرحمن فغمزته وحكّمته - و ما شاور أبا مروان - فلما رجع إليه وفي رأسه الخرقة اغتاظ عليه وقال له: رجوناك إمامًا مثل ابن فورك فتركت صحبتنا ورجعت إلى زي الصوفية أو كما قال، فقال له الفقيه محمد بن علي - رضي الله عنه:: = الفقر خير 0 وهجره أبو مروان إلى أن توفي وستأتي حكايتهما في ذلك إن شاء الله تعالى، فسار الشيخ عبدالله فلما وصل إلى حضرموت اجتمع بشيخ شيوخنا الفقيه محمد بن علي - رضي الله عنهم - وقال له الشيخ عبدالله: أي لؤلؤة عجماء لو ثقبت، فقال الشيخ محمد، وما الثقب قال: التحكيم، فانخلع الشيخ محمد عما هو عليه من زي الفقهاء وترك صحبتهم، وتحكم للشيخ عبدالله ولبس منه الخرقة، وأقبل على الله تعالى في السر والعلانية ورغب في صحبة الصوفية، قالوا ودعا لذريته عند ذلك بثلاث دعوات(الأولى) بذل النفوس ولا يعودون إلى العمومية أي لا يزالون على زي الفقراء ... (الثانية) أن لا يسلط الله تعالى عليهم ظالمًا يؤذيهم (الثالثة) أن لا يموت أحد منهم إلا وهو مستور في دنياه - أي لا تكون به حاجة تضر بدينه - قالوا: فقبلهن الله تعالى، فما يموت أحد منهم إلا وهو بتلك الصفة، ولم يسلط الله تعالى عليهم بعد ذلك ظالمًا أبدًا ببركة دعوة الشيخ لهم - رضي الله عنه -). الجوهر الشفاف (1/ 81 - 83) .

وكذلك قال الشلي في المشرع: (فلما رآه شيخه علي بامروان تغير عما كان قال له: أذهبْتَ نورك وقد رجونا أن تكون كابن فورك واخترتَ طريق التصوف والفقر وقد كنت على المقدار والقدر، فقال الأستاذ: الفقر فخري وبه أفتخر، وبه على النفس والشيطان أنتصر، ولا أتباعد عنكم إعراضًا، ولا تبدلت بكم معتاضًا 0 وهجره الفقيه وظن أن يفيد فيه الهجر، ورأى أنه أعظم من الزجر، واستمر مهاجرًا له إلى أن مات 0) المشرع الروي (1/ 2 - 5) ، وفي هجر الإمام بامروان للفقيه المقدم دليل على أن أهل حضرموت كانوا على منهج الكتاب والسنة، وأنهم لم يعرفوا ذلك الانحراف الصوفي إلى أن قدم ذلك المغربي بالتصوف وأخذه عنه الفقيه المقدم، ولكن منذ ذلك التاريخ استفحل الشر وانحرف الأكثر بتأثير ذلك الفقيه وأتباعه من أبنائه وفقرائه واللائذين بهم ممن ينسبون إلى الفقه والعلم، بعد أن ضعف الفقه وقل العلم، ومازال التصوف يفشو والعلم ينقص حتى أظلم الكون، وعم الانحراف، وظهرت الدعاوى والرسوم، وزالت الحقائق، وأصبح من النادر وجود فقيه متضلع مدرك للأدلة ومذاهب العلماء قادر على الترجيح والاختيار، أما علم التفسير والحديث فلم يبق لهما أثر، وسيأتي في الباب الثاني مزيد بيان لهذه القضية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت